فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 83

فصل

في بحث أوجه المصالح والمفاسد والموازنة بينهما عند التعارض

والكلام عن الأسباب الجالبة للمصالح والمفاسد وضوابط المصلحة الشرعية

ما إن بدأت وكالات الأنباء العالمية تتناقل عن انسحابات المجاهدين من مزار شريف وهيرات إلاّ ونسمع بعض ضعاف النفوس يتحدثون عن المصالح والمفاسد من عمليات تفجيرات أمريكا وبدأو يقررون أنّ القيام بمثل هذه العمليات مفاسد وليس فيها مصالح، بل تمادى البعض حتى تكلم عن المجاهدين فزعم أنّ كل ما قاموا به مفاسد لا مصالح فيها؟!! وقال وإن وجدت لهم مصالح فهي إلى جانب مفاسدهم الكثيرة تكون شيئًا لا يذكر.

ونحن وإن كنا نعلم الدوافع لهؤلاء في تقريرهم لهذه المفاسد التي ما جاءت إلاّ من عقولهم المريضة، إلاّ أنّ بحث أوجه المصالح والمفاسد من عمليات أمريكا أمر لا بدّ منه، سيما وأنّ البلبلة قائمة بين أوساط الإسلاميين، بين مقرر لمصالح هذه التفجيرات ومنظر لمفاسدها والحقيقة أمام هذا الخضم من الكتابات والأقوال تكون غائبةً عند كثير من الشباب وطلاب العلم فضلًا عن العوام الذين اعترتهم الحيرة مما سمعوه أو قرأوه أو تناقله الناس.

وقبل الشروع في المقصود ألا وهو الحديث عن مصالح تفجيرات نيويورك وواشنطن يجدر بنا أن ننبه إلى بعض المسائل المتعلقة بالمصالح والمفاسد، ذلك أنّ الشريعة إنما جاءت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، وقواعد الشريعة وأصولها مبنية على ذلك الأساس. يقول العلامة ابن القيم - رحمه الله تعالى - في (إعلام الموقعين، 3/ 3) : (إنّ الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل) أه.

وعلى هذا فإنّ تقدير المصالح والمفاسد في أمرما لا يخضع لتقدير عقول الناس أو خبراتهم العادية أو موازينهم العقلية والتجريبية، لأن العقول و الخبرات والموازين لا تستقل وحدها بفهم مصالح العباد، بل لابد من عرض نتائج تلك الخبرات والعقول والتجارب والعلوم على نصوص الشريعة وأحكامها القطعية الثابتة، فإن كان بينها اتفاق أخذ بها (وكان النص هو المحكم في ذلك. وإن كان بينها تعارض بأن كان ما رآه الناس مصلحة يعاكس النص الشرعي الثابت وجب إهمال تلك المصلحة. وليس معنى ذلك أنّ الشارع قد أهمل مصلحةً للناس دلت عليها علومهم وتجاربهم، بل المعنى أنّ تقدير هؤلاء الناس لهذه المصلحة لابد أن يكون قد اتصل به نوع من الخلل والفساد فنحن نتهم تقدير الناس ولا نتهم نصوص الشريعة، كيف وإنّ أحكام الناس لا تخلو من غالب الأحيان عن شائبة الهوى والشهوات والأغراض) . (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية للبوطي، ص 63) .

والأعمال التي كلف الله بها عباده من الأفعال والتروك إما أن تشتمل على مصالح خالصة أو راجحة وإما أن تشتمل على مفلسد خالصة أو راجحة أو تتساوى فيها المصالح والمفاسد، ولابد من الموازنة بين المصالح والمفاسد، ذلك أنّ الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد وقد (تنازع الناس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت