هنا في مسألتين. المسألة الأولى في وجود المصلحة الخالصة والمفسدة الخالصة فمنهم من منعه وقال لا وجود له، قال لأن المصلحة هي النعيم واللذة وما يفضي إليه والمفسدة هي العذاب والألم وما يفضي إليه، قالوا والمأمور به لابد أن يقترن به ما يحتاج معه إلى الصبر على نوع من الألم وإن كان فيه لذة سرور وفرح فلا بد من وقوع أذى لكن لما كان هذا مغمورًا بالمصلحة لم يلتفت إليه ولم تعطل المصلحة لأجله فترك الخير الكثير الغالب لأجل الشر القليل المغلوب شر كثير قالوا وكذلك الشر المنهي عنه إنما يفعله الإنسان لأن له فيه غرضًا ووطرًا ما وهذه مصلحة عاجلة له فإذا نهى عنه وتركه فأتت عليه مصلحته ولذته العاجلة وإن كانت مفسدته أعظم من مصلحته بل ومصلحته مغمورة جدًا في جنب مفسدته كما قال تعالى في الخمر والميسر: (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمها أكبر من نفعهما) [البقرة: 219] ، فالربا والظلم والفواحش والسحر وشرب الخمر وإن كانت شرورًا ومفاسد ففيها منفعة ولذة لفاعلها ولذلك يؤثرها ويختارها وإلاّ فلو تجردت مفسدته من كل وجه لما آثرها العاقل ولا فعلها أصلًا ولما كانت خاصة العقل النظر إلى العواقب والغايات كان أعقل الناس أتركهم لما ترجحت مفسدته في العاقبة وإن كانت فيه لذة ما ومنفعة يسيرة بالنسبة إلى مضرته. ونازعهم آخرون وقالوا القسمة تقتضي إمكان هذين القسمين والوجود يدل على وقوعهما فإنّ معرفة الله ومحبته والإيمان به خير محض من كل وجه لا مفسدة فيه بوجه ما. قالوا ومعلوم إنّ الجنة خير محض لا شر فيها أصلًا وأنّ النار شر محض لا خير فيها أصلًا وإذا كان هذان القسمان موجودان في الآخرة فما المخل بوجودهما في الدنيا. قالوا وأيضًا فالمخلوقات كلها منها ما هو خير محض لا شر فيه أصلًا كالأنبياء والملائكة، ومنها ما هو شر محض لا خير فيه أصلًا كإبليس والشياطين، ومنها ما هو خير وشر وأحدهما غالب على الآخر فمن الناس من يغلب خيره على شره ومنهم من يغلب شره على خيره فهكذا الأعمال منها ما هو خالص المصلحة وراجحهما وخالص المفسدة وراجحهما، هذا في الأعمال كما أنّ ذلك في العمال. قالوا وقد قال تعالى في السحرة (ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم) [البقرة: 102] . فهذا دليل على أنه مضرة خالصة لا منفعة فيه إما لأن بعض أنواعه مضرة خالصة لا منفعة فيها بوجه فما كل السحر يحصل غرض الساحر بل يتعلم مائة باب منه حتى يحصل غرضه بباب والباقي مضرة خالصة، وقس على هذا فهذا من القسم الخالص المفسدة وإما لأن المنفعة الحاصلة للسحر لما كانت مغمورة مستهلكة في جنب المفسدة العظيمة فيه جعلت كلًا منفعة فيكون من القسم الراجح المفسدة. وعلى القولين فكل مأمور به فهو راجح المصلحة على تركه وإن كان مكروهًا للنفوس. قال تعالى: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) [البقرة: 216] . فبين أنّ الجهاد الذي أمروا به وإن كان مكروهًا للنفوس شاقًا عليها فمصلحته راجحة وهو خير لهم وأحمد عاقبة وأعظم فائدة من التقاعد عنه وإيثار البقاء والراحة فالشر الذي فيه مغمور بالنسبة إلى ما تضمنه من الخير وهكذا كل منهي عنه فهو راجح المفسدة وإن كان محبوبًا للنفوس موافقًا للهوى فمضرته ومفسدته أعظم مما فيه من المنفعة وتلك المنفعة واللذة مغمورة مستهلكة في جنب مضرته كما قال تعالى (وإثمهما أكبر من نفعهما) [البقرة: 219] وقال (وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم) [البقرة: 216] . وفصل الخطاب في المسألة إذا أريد بالمصلحة الخالصة أنها في نفسها خالصة من المفسدة لا يشوبها مفسدة فلا ريب في وجودها وإن أريد بها المصلحة التي لا يشوبها مشقة ولا أذى في طريقها والوسيلة إليها ولا في ذاتها فليست بموجودة بهذا الاعتبار إذ المصالح والخيرات واللذات والكمالات كلها لا تنال إلاّ بحظ من المشقة ولا يعبر إليها إلاّ على جسر من التعب. وقد أجمع عقلاء كل أمة على أنّ النعيم لا يدرك بالنعيم وأنّ من آثر الراحة فاتته الراحة وأنّ بحسب ركوب الأهوال