فصل
في التأصيل الشرعي لأحداث أمريكا
أما التأصيل الشرعي لهذه الأحداث التي حصلت في أمريكا في يوم الثلاثاء بتاريخ 23من جمادى الآخرة 1422ه الموافق 11 من أيلول سبتمبر سنة 2001م فإننا سوف نبيّن المسألة على ما تناقلته وسائل الإعلام من احتمال قيام التيارات الإسلامية الجهادية بهذا العمل، وهل إذا ثبت أنّ وراء هذا العمل مسلمون يجوز من المنظور الشرعي القيام به، مع أنه قد يحصد المدنيين وفيهم الأطفال والنساء ومن غير المقاتلة؟
فأقول: [[1] ]إنَّ الشأن في الحرب إذا نشبت بين فريقين أن يستبيح كل فريق الفريق الآخر ولا يستثني من ذلك أحد سواء كان من المقاتلة أو من غير المقاتلة؛ لأنَّ هدف الحرب هو التنكيل بالعدو وإلحاق الهزيمة به وكسر شوكته وممارسة الضغط على إرادته السياسية والعسكرية لإخضاعه لإرادة خصمه أو الحد من خطورته أو إيقافه عند حده وممارسة كلّ أساليب الردع والانتقام منه ...
وعلى هذا فإن كلّ عمل يحقق ذلك الهدف يعتبر فعلًا مستباحًا بحكم ذلك الدافع، وقد يصيب القتل من ليس من المقاتلة تبعًا للمقاتلة في حال شنّ الغارات على العدو أو تبييته بحيث لا يميز بين المقاتلة وغير المقاتلة، هذا هو الشأن في الحروب ...
غير أنّ الإسلام جاء لينظم الأعمال الحربية كغيرها من الأعمال التي نظمها الإسلام ووضع لها الضوابط والقيود الشرعية كأيّ فعل من أفعال المكلفين، فجاءت النصوص الشرعية بصدد ذلك لبيان من هم الذين أباحت الشريعة الإسلامية قتلهم أو استهدافهم بالقتل قصدًا؛ ومن هم الذين حرمت الشريعة الإسلامية قتلهم أو استهدافهم بالقتل، وما هي الحالات التي يجوز فيها قتل من حرمت الشريعة قتلهم، وهل يقتلون قصدًا أم تبعًا لآبائهم ... ؟
وبالنظر إلى النصوص الشرعية في هذا الصدد وتتبعها واستقرائها نجد أنَّ الأصل في الكافر أنه حلال الدم والمال وأنَّ الشريعة الإسلامية قد أباحت للمسلمين قتله وأخذ ماله واستراق امرأته ولا يحرم دم الكافر أو ماله وعرضه إلاّ بحكم شرعي طارئ على هذا الأصل كالذمة والعهد والهدنة والأمان. يقول الإمام ابن القيّم - رحمه الله تعالى - في (أحكام الذمة، 2/ 475) : (الكفار، إما أهل حرب، وإما أهل عهد، وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة وأهل هدنة وأهل أمان ... ولفظ"الذمة والعهد"يتناول هؤلاء كلهم في الأصل ... فإنّ الذمة من جنس لفظ العهد والعقد ... ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء:"أهل الذمة"عبارة عمَّن يؤدي الجزية. وهؤلاء لهم ذمةٌ مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله؛ إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكمُ الله ورسوله ... بخلاف أهل الهدنة فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصلح على مالٍ أو غير مال. لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة. ولكن عليهم الكفّ عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يُسمَّون أهل العهد، وأهل الصلح وأهل الهدنة. وأما المستأمن فهو الذي يقدم بلاد
(1) الجهاد والقتال في السياسة الشرعية، (2/ 1244) ، د / محمد خيرهيكل - بتصرف -