المسلمين من غير استيطانٍ لها، وهؤلاء أربعة أقسام: رسل، وتجار، ومستجيرون حتّى يُعْرَضَ عليهم الإسلامُ والقرآن، فإن شاءوا دخلوا فيه، وإن شاءوا رجعوا إلى بلادهم، وطَالِبُوا حاجةٍ من زيارةٍ أو غيرها.
وحكم هؤلاء ألاّ يهاجروا، ولا يقتلوا ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يُعْرَض على المستجير منهم الإسلام والقرآن، فإن دخل فيه فذاك، وإن أحَبَّ اللحاق بمأمنه ألحق به، ولم يُعْرض له قبل وصوله إليه، فإذا وصل مأمنه عاد حربيًا كما كان). أهـ
وفي المنهاج للنووي - رحمه الله تعالى: (فصل: ويلزمنا الكفُّ عنهم، وضمانُ ما نتلفه عليهم نفسًا ومالًا ودفع أهل الحرب عنهم) . أهـ (انظر: مغني المحتاج، 4/ 253) .
وقال الخطيب الشربيني في مغنى المحتاج (4/ 253) : (والكفّ عنهم) نفسًا ومالًا وخلاص من أسر منهم واسترجاع ما أخذ من أموالهم كما صرح به في الروضة وأصلها). أهـ
وفي كتاب (قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية) لابن جزي الغرناطي المالكي (ص 176) ما نصه: ( ... وأن نكفَّ عنهم ونعصمهم بالضمان في أنفسهم وأموالهم ... ) . أهـ
أقول: إنَّ حكم الشرع في الكافر الحربي أن يقاتل لقوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم) . [البقرة: 190]
(فكان عليه الصلاة والسلام يقاتل من قاتله ويكفّ عمَّن كفَّ عنه حتّى نزل:(فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد) ... [التوبة: 5] ، فنسخت هذه الآية - أي آية البقرة - قاله جماعة من العلماء. وقال ابن زيد والربيع: نسخها: (وقاتلوا الْمشركين كآفَّة كما يقاتلونكم كآفَّة) ... [التوبة: 36] ، فأمر بالقتال لجميع الكفار. وقال ابن عبّاس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد: هي محكمة؛ أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرهبان وشبههم على ما يأتي بيانه). (انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي(1/ 2 / 232 ) ) .
فالكافر الحربي حلال المال والدم لا يستثنى من هذا الحكم إلاّ من كان من أهل العهد منهم وهم ثلاثة أصناف: أهل ذمة وأهل هدنة وأهل أمان على ما فصلناه سابقًا من النقل عن الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى، ولكنّ الشريعة الإسلامية نهت عن قتل النساء والصبيان وشبههم من الكفار على خلاف في بعضهم وسيأتي - إن شاء الله تعالى - بيانه، فمن النصوص التي ورد فيها النهي والإنكار على قتل النساء والصبيان ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما: (( أنَّ امرأة وجدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وسلم مقتولةً، فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان ) )، وفي رواية: (( وجدت امرأة مقتولةٌ في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان ) ). ورواه أبو داود وابن ماجة. وفي رواية عند أبي داود عن رباح بن ربيع قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة، فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلًا فقال: (( انظر عَلامَ اجتمعَ هؤلاء ) )، فجاء فقال: على امرأة قتيل، فقال: (( ما كانت هذه لتقاتل ) ). قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلًا فقال: (( قل لخالد لا يقتلنَّ امرأة ولا عَسِيْفًا ) ). وإسناده صحيح. ورواه ابن ماجة بإسنادٍ صحيح عن حنظلة الكاتب وفيه قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا على امرأةٍ مقتولةٍ قد اجتمع عليها الناس. فأفرجُوا له، فقال: (( ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل ) )، ثم قال لرجل: (( انطلق إلى خالد بن الوليد فقل له: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك يقول: لا تقتلنَّ ذريَّةً ولا عسيفًا ) ).