وفي هذا الحديث النهيُّ أيضًا عن قتل العسيف بمهملتين وفاء وهو الأجير وزنًا، ومعنى ولعله الأجير على حفظ الدواب ونحوه لا على القتال. قال الإمام الشوكاني في نيل الأوطار (4/ 8 / 73) : (وفيه دليل على أنه لا يجوز قتل من كان مع القوم أجيرًا و نحوه لأنه من المستضعفين) .
وأخرج أبو داود في سننه عن سليمان بن بريدة عن أبيه، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا، ولا تغُلُّوا، ولا تمثِّلُوا، ولا تقتلوا وليدًا ) ).
ورواه أيضًا عن خالد بن الفِزْرِ، حدثني أنس بن مالك، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخًا فانيًا ولا طفلًا، ولا صغيرًا، ولا امرأةً، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا وأحسنوا(إن الله يحب الْمحسنين ) )).
قلت: خالد بن الفزر قال ابن معين: ليس بذاك، ولم يوثقه سوى ابن حبان وبقية رجاله ثقات ولكنه يشهد له ما قبله. والجديد في هذا الحديث النهي عن قتل الشيخ الفاني.
وروى أبو داود والترمذي عن الحسن عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شَرْخَهُمْ ) ). قال الترمذي: (والشَّرْخُ: الغِلْمَان الذين لم يُنْبِتُوا، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، ورواه الحجّاج بن أرطأة عن قتادة نحوه) . أهـ
قلت: ورواه ابن حبّان أيضًا وصحّحه مع أنَّ فيه عنعنة الحسن، وفي (نصب الراية لأحاديث الهداية) للزيلعي (3/ 386) قال: (والحجّاج بن أرطأة غير محتج به، والحسن عن سمرة منقطع في غير حديث العقيقة، على ما ذكره بعض أهل العلم بالحديث) . أهـ
قلت: هذا الحديث معارض لحديث النهي عن قتل الشيخ، ولكنه لا يصحّ لعنعنة الحسن ولضعف الحجّاج بن أرطأة. وقد جاءت نصوص في النهي عن قتل الرهبان وأهل الصوامع منها ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد - رحمه الله تعالى - أنّ أبا بكر رضي الله عنه بعث جيوشًا إلى الشام فخرج يُشَيِّعُهُمْ، فمشى مع يزيد بن أبي سفيان ... ثم قال: (( إنَّك ستجد قومًا حبسوا أنفسهم لله، فَدعْهُم، وما حبسوا أنفسهم له ... ) )الحديث.
وفي المحلّى بالآثار لابن حزم (5/ 349) : (وذكروا عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال لأمير له:(( لا تقتلنَّ امرأةَ ولا صبيًا، ولا كبيرًا هرمًا، إنك ستمرّ على قوم قد حبسوا أنفسهم في الصوامع زعموا لله فدعهم وما حبسوا أنفسهم له، وستمر على قوم قد فحصوا من أوساط رؤوسهم وتركوا فيها من شعورهم أمثال العصائب فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف ) ). أهـ
قال ابن الأثير في جامع الأصول (2/ 599) : (أراد بالذين حبسوا أنفسهم: الرهبان الذين تديروا الصوامع وأقاموا بها ولم يخرجوا منها وتسميه النصارى الحبيس) . أهـ
ومن طريق ابن أبي شيبة: نا حميد عن شيخ من أهل المدينة مولى لبني عبد الأشهل عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيوشه قال: (( لا تقتلوا أصحاب الصوامع ) ). فهذا هو ما جاء في النهي عن قتل الرهبان وأصحاب الصوامع.
وجاء في النهي عن قتل تجّار المشركين عن جابر بن عبد الله قال: (( كانوا لا يقتلون تجار المشركين وقالوا: إنما نقتل من قاتل، وهؤلاء لا يقاتلون ) ). وهو في مصنف ابن أبي شيبة أيضًا.