فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 83

وبالنظر إلى أسانيد هذه الروايات نجد أنها واهية ولا تصلح للاحتجاج بها. فحديث الموطأ عن يحيى بن سعيد لا يصحّ لأنَّ يحيى بن سعيد لم يدرك أبا بكر فهو منقطع. قال ابن حزم - رحمه الله تعالى - في المحلّى (5/ 350) : (هذا الخبر عن أبي بكر لا يصحّ، لأنه عن يحيى بن سعيد، وعطاء، وثابت بن الحجّاج، وكلّهم لم يولد إلا بعد موت أبي بكر رضي الله عنه بدهر) . أهـ

(وأما حديث ابن عباس فعن شيخ مدني لم يسم، وقد سمّاه بعضهم فذكر إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وهو ضعيف) ، ذكره ابن حزم في (المحلى، 5/ 349) .

وأما حديث النهي عن قتل تجّار المشركين، فقد أجاب ابن حزم عن ذلك في المحلّى أيضًا (5/ 35) فقال: (وأما قول جابر لم يكونوا يقتلون تجّار المشركين فلا حجة لهم فيه لأنه لم يقل: إن تركهم قتلهم كان في دار الحرب وإنما أخبر عن جملة أمرهم، ثم لو صحَّ مبينًا عنه لما كان لهم فيه متعلق لأنه ليس فيه نهي عن قتلهم، وإنما فيه اختيارهم لتركهم فقط) . أهـ

قلت: إنّ الأخبار المرويّة في النهي عن قتل النساء والصبيان والذرية والكفّ عن قتلهم قصدًا صحيحة كما عرفت، وأما النصوص الواردة في النهي عن قتل العسيف وهو الأجير فيظهر - والعلم عند الله تعالى - أنّ المراد به من استؤجر للقيام بأعمال غير قتالية، أما إن كان استؤجر لعمل قتالي فحكمه حكم الكافر الحربي، فهو حتّى يكون متمتعًا بالحصانة الشرعية من القتل لا بدّ أن يكون ما يقوم به من الأعمال كحفظ الدواب والمتاع أو كأن يكون من الأطباء الذين يترددون على مداواة الجرحى والمرضى، ويدخل كذلك في هذا المعنى: الفلاحون والمزارعون الذين يستأجرون للقيام بأعمال الزراعة والفلاحة في حقول الكفار وكعمال المصانع والطرقات وعمال النظافة والبلدية ومن كان على شاكلتهم ممن لا يباشرون قتال المسلمين أو لم يستأجروا لأغراض القتال والحرب، فهؤلاء يصدق عليهم وصف العسفاء، أي الأجراء الذين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتلهم أو أمر بالكفّ عنهم، فهم وإن قتلوا لا يقتلون قصدًا بل تبعًا للمقاتلة على ما سيأتي بيانه - إن شاء الله تعالى - إلاّ إن قاتلوا جاز قتلهم قصدًا.

وأما العبيد فلم يرد ما يدل على النهي عن قتلهم إلاّ ما جاء في المحلّى لابن حزم (5/ 349) : (عن حماد بن سلمة عن شيخ بمنى عن أبيه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل العسفاء والوصفاء) ."

وقد فسّر الوصفاء بالعبيد، وفي مختار الصحاح: (الوصيف الخادم غلامًا كان أو جارية والجمع الوصفاء وربما قيل للجارية وصيفة والجمع وصائف) . أهـ

ولكن هذا الحديث لا يصلح للاحتجاج به فهو عن شيخ بمنى عن أبيه ولم يسميا، ولا يصحّ قياس الوصيف بالعسيف، فإنّ الوصيف إن كان عبدًا أو خادمًا فإنه يقاتل بخلاف العسيف وهو الأجير الذي يستأجر للعمل فلا يقاتل بل ليس له أصلًا في عمل الحرب والقتال. وقد تكلم الشوكاني - رحمه الله تعالى - في (السيل الجرار، 4/ 532) عن ذلك فقال: (وأما العبد فلم يرد ما يدل على عدم جواز قتله ... ولا يصحّ قياسُه على العسيف لأن العسيف لا يقاتل، وإنما هو لحفظ المتاع والدوابِّ، وإن قاتل جاز قتله) . أهـ

وأما ما ذكر فيه النهي عن قتل الشيخ الكبير الفاني فيعارضه ما رواه البخاري في صحيحه (الفتح، 8/ 41) عن قتل دريد بن الصمة وكان شيخًا كبيرًا فانيًا. فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: (( لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامرٍ على جيشٍ إلى أوطاس، فلقي دريد بن الصِّمَّة فقُتل دريد وهزم الله أصحابه ... ) )الحديث. (وروى البزّار في مسند أنس بإسناد حسن ما يشعر بأنّ قاتل دريد بن الصمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت