هو الزبير بن العوام ولفظه: (( لما انهزم المشركون انحاز دريد بن الصمة في ستمائة نفس على أكمة فرأوا كتيبة، فقال: خلوهم لي، فخلوهم، فقال: هذه قضاعة ولا بأس عليكم، ثم رأوا كتيبة مثل ذلك، فقال: هذه سليم، ثم رأوا فارسًا وحده فقال: خلوه لي، فقالوا: معتجر بعمامة سوداء، فقال: هذا الزبير بن العوام، وهو قاتلكم ومخرجكم من مكانكم هذا، قال: فالتفت الزبير فرآهم فقال: علام هؤلاء هاهنا؟ فمضى إليهم، وتبعه جماعة فقتلوا منهم ثلاثمائة، فحز رأس دريد بن الصمة فجعله بين يديه ... ) ). (انظر: فتح الباري، 8/ 42) .
(وكان دريد من الشعراء الفرسان المشهورين في الجاهلية، ويقال إنه كان لما قتل ابن عشرين - ويقال ابن ستين - ومائة سنة) . (الفتح، 8/ 42) .
قلت: إنّ الجمع بين الحديثين، أنّ ما جاء فيه النهي عن قتل الشيخ الكبير الفاني فمحمول على ما إذا كان شيخًا هرمًا فانيًا لا يقوى على القتال ولا يعين عليه، أما إذا كان من أهل القتال وكان به قوة وجلد على القتال أو يدبر لقومه الحرب كدريد بن الصمة فيقتل، والله تعالى أعلم.
وقد حاول الإمامان محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني و محمد بن علي الشوكاني الجمع بين الحديث الذي فيه النهي عن قتل الشيوخ من أهل الكفر وحديث الحسن عن سمرة: (( اقتلوا شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم ) ). فقال الصنعاني في (سبل السلام، 2/ 1347) : (والشيخ من استبانت فيه السن أو من بلغ خمسين سنة أو إحدى وخمسين كما في القاموس، والمراد هنا الرجال المسان أهل الجلد والقوة على القتال ولم يرد الهرمى، ويحتمل أنه أريد بالشيوخ من كانوا بالغين مطلقًا فيقتل ومن كان صغيرًا لا يقتل فيوافق ما تقدم من النهي عن قتل الصبيان، ويحتمل أنه أريد بالشرخ من كان في أول الشباب فإنه يطلق عليه كما قال حسان: إنَّ شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يعاص كان جنونًا، فإنه يستبقى رجاء إسلامه كما قال أحمد بن حنبل: الشيخ لا يكاد يسلم والشباب أقرب إلى الإسلام فيكون الحديث مخصوصًا بمن يجوز تقريره على الكفر بالجزية) . أهـ
وقال الشوكاني في (نيل الأوطار، 4/ 8 / 73 - 74) : (وقد جمع بين الحديثين بأنّ الشيخ المنهيَّ عن قتله في الحديث الأول هو الفاني الذي لم يبق فيه نفعٌ للكفار، ولامضرَّة على المسلمين، وقد وقع التصريحُ بهذا الوصف بقوله:(( شيخًا فانيًا ) )، والشيخ المأمور بقتله في الحديث الثاني هو من بقي فيه نفعٌ للكفار، ولو بالرأي، كما في دريد بن الصمة فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من حنين بعث أبا عامر على جيش أوطاس فلقي دريد بن الصمة وقد كان نيَّفَ على المائة، وقد أحضروه ليدبر لهم الحرب فقتله أبو عامر ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي موسى والقصة معروفة. قال أحمد بن حنبل في تعليل أمره صلى الله عليه وسلم بقتل الشيوخ: إنّ الشيخ لا يكاد يسلم والصغير أقربُ إلى الإسلام). أهـ
قلت: وأوطاس: هو وادٍ في دار هوازن وهو موضع حرب حنين. أهـ، حكاه القاضي عياض. انظر: الفتح (8/ 42) .
واعلم أنه لا خلاف عند أهل العلم - فيما نعلم - في النهي عن قتل نساء الكفار وذريتهم إلاّ إن قاتلوا فيقتلون، أما من عداهم كالرهبان وأصحاب الصوامع والزمن والشيوخ والعسفاء والعبيد وغيرهم ففي قتلهم نزاع عند العلماء. ففي (مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق لابن النحاس الشافعي، (2 /