1023 - 1024) قال: (واختلفوا في قتل الشيخ الفاني والضعيف الأعمى [[1] ]والمقعد والمقطوع اليد والرجل، فأباحه الشافعي في أظهر قوليه، سواء كان فيهم قتلًا أو لم يكن، ومنع منه مالك وأحمد وأبو حنيفة. واتفقوا على أنهم إذا قاتلوا قتلوا، واختلفوا في قتل الرهبان المعتزلة، فقال مالك في أحد قوليه: يترك لهم ما يصلحهم إلاّ أن يكونوا جمعًا كثيرًا على الأشهر، وقال أحمد وأبو حنيفة: لا تقتل الرهابين المعتزلة وأظهر قولي الشافعي: جواز قتلهم شيوخًا كانوا أو شبابًا، وكذلك يجوز عنده قتل الأجير أو المحترف، والمشغول بحرفته والسوقة، ولو ترهبت المرأة ففي جواز سبيها عن الإمام مالك قولان هما وجهان لأصحاب الشافعي بناءً على قتل الراهب) . أهـ
وفي (الجوهر النقي لابن التركماني، 9/ 93) ما يفيد من أنّ الإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - يرى عدم قتل الرهبان اتباعًا لأبي بكر- رضي الله عنه - مع أنّ حديث أبي بكر فيه انقطاع كما قد عرفت. فقال ابن التركماني: (وحكى البيهقي في كتاب(المعرفة) عن الشافعي أنه قال: ويترك قتل الرهبان اتباعًا لأبي بكر - رضي الله عنه - ونصّ في هذا الكتاب على قتل من لا قتال فيه سوى الرهبان ونصّ على أنه إنما قاله في الرهبان اتباعًا لا قياسًا). أهـ
فالإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - حين ترك قتل الرهبان لم يتركه قياسًا بالنساء والصبيان مع أنّ العلة الموجودة في النساء والصبيان وهي عدم القتال موجودةٌ في الرهبان وأصحاب الصوامع وإنما ترك قتالهم اتباعًا لا قياسًا، وهذا ما علل به نفسه في كتابه الأمّ (40/ 240) فقال: (ويترك قتل الرهبان وسواء رهبان الصوامع ورهبان الدّيارات والصَّحاري وكل من يحبس نفسه بالترهب تركنا قتله اتباعًا لأبي بكر رضي الله تعالى عنه، وذلك إذا كان لنا أن ندع قتال الرجال المقاتلين بعد المقدرة وقتل الرجال في بعض الحالات - لم نكن آثمين بترك الرهبان إن شاء الله تعالى، وإنما قلنا هذا - تبعًا لا قياسًا - ولو زعمنا أنا تركنا قتل الرهبان لأنهم في معنى من لا يقاتل - تركنا قتل المرضى حين نغير عليهم، والرهبان، وأهل الجبن، والأحرار، والعبيد، وأهل الصناعات الذين لا يقاتلون ... ) .
فالمفهوم من كلام الإمام الشافعي المنقول من الأمّ أنه لم يترك قتال الرهبان وأصحاب الصوامع قياسًا على نساء الكفار وصبيانهم، لأنه لو كان يرى ترك قتالهم قياسًا على نساء الكفار مثلًا لترك قتل مرضى الكفار وأهل الجبن فيهم وعبيدهم وأهل الصناعات منهم الذين لا يقاتلون، وإنما ذهب إلى ترك قتال الرهبان اتباعًا لأبي بكر - رضي الله عنه - وهذا يعني أنّ الإمام الشافعي يرى أنّ عدم وجود القتال من النساء والصبيان عادة ليس هو العلة في تحريم قتلهم حتى يقاس عليه كل من لا يقاتل أو ليس من شأنه القتال أو لا يملك القدرة على القتال من الكفار. هذا هو المفهوم من كلام الإمام الشافعي في سبب عدم أخذه بالقياس في مسألة قتل الرهبان.
ولكن بقي أن نشير هنا إلى أنّ في المذهب الشافعي قولًا آخر وهو إباحة قتل الراهب ففي (المنهاج للنووي) قال: (ويحرم قتل صبيٍّ ومجنونٍ وامرأةٍ وخُنثى مُشكِلٍ ويحلُّ قتل راهبٍ وأجيرٍ وشيخٍ وأعمى وزمنٍ لا قتال فيهم ولا رأي في الأظهر فيسترقون وتسبى نساؤهم وأموالهم) . أهـ) انظر: مغني المحتاج، 4/ 222 - 223).
ويرى الإمام القرطبي - رحمه الله تعالى - في تفسيره (الجامع لأحكام القرآن، 1/ 2 / 232 - 233) أنَّ (الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون بل يترك لهم ما يعيشون به من أموالهم، وهذا إذا انفردوا عن
(1) كذا في الأصل ولعل الصواب والأعمى