أهل الكفر، لقول أبي بكر ليزيد: (( وستجد أقوامًا زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له ) )، فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قتلوا، ولو ترهبت المرأة فروى أشهب أنها لا تُهاج. وقال سُحنون: لا يغير الترهب حكمها. قال القاضي أبو بكر بن العربي: والصحيح عندي رواية أشهب، لأنها داخلة تحت قوله: (( فذرهم وما حبسوا أنفسهم له ) ). أهـ
وفي (منح الجليل شرح مختصر خليل، 3/ 145 - 146) ما نصّه: (وإذا قدر عليهم - أي الكفار - قتلوا أي جاز قتلهم إلاّ سبعة فلا يجوز قتلهم: المرأة والصبيِّ والمعتوه كشيخ فان وزمن وأعمى وراهب منعزل بدير أو صومعة بلا رأيٍ) . أهـ
فالمالكية يرون أنّ الرهبان لا يقتلون ولا يسترقون، هذا إذا انعزلوا عن الكفار بدير أو صومعةٍ بلا رأي، أمّا إن كانوا مع المقاتلة في الكنائس قتلوا ...
وفي المغني لابن قدامة (10/ 539 - 542) ما يلي: (إنَّ الإمام إذا ظفر بالكفار لم يجز أن يقتل صبيًا لم يبلغ بغير خلاف ... ولا تقتل امرأة، ولا شيخ فانٍ، وبذلك قال مالك، وأصحاب الرأي ... وقال الشافعي في أحدِ قوليه وابن المنذر: يجوز قتل الشيوخ ... ولنا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:(( لا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا، ولا امرأة ) ). رواه أبو داود في سننه ... ولأنه ليس من أهل القتال؛ فلا يقتل كالمرأة. وقد أومأ النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه العلة في المرأة فقال: (( ما بال هذه قتلت، وهي لا تقاتل؟ ) )... والشيخ الهِمّ - أي الفاني - في معناها فنقيسه عليها ... ولا يقتل زمنٌ ولا أعمى ولا راهب ... ولنا في الزمن والأعمى أنهما ليسا من أهل القتال فأشبها المرأة، وفي الراهب ما روي في حديث أبي بكر الصديق أنه قال: (( وستمرّون على أقوامٍ في الصوامع قد حبسوا أنفسهم فيها فدعوهم حتّى يميتهم الله على ضلالتهم، ولأنهم لا يقاتلون تديُّنًا فأشبهوا من لا يقدر على القتال ... ) . أهـ
فعلة ترك قتل شيخ الكفار والرهبان والزمن والأعمى عند الحنابلة أنهم ليسوا من أهل القتال فأشبهوا النساء ولذلك قاسوهم على النساء والصبيان، فانتفاء القتال من نساء الكفار وأطفالهم هو بمجرده عند الحنابلة علة تحريم قتلهم فقاسوا عليهم كل من ليس من المقاتلة أو من المقاتلة من الكفار، والله تعالى أعلم.
وفي (بدائع الصنائع للكاساني، 7/ 101) ما يلي: ( ... أما حال القتال، فلا يحلُّ فيها قتل امرأة ولا صبيّ ولا شيخ فان ولا مقعد ولا يابس الشقّ ولا أعمى ولا مقطوع الرجل واليد من خلاف ولا مقطوع اليمنى ولا معتوه ولا راهب في صومعته ولا سائح في الجبال لا يخالط الناس، وقوم في دار أو كنيسة ترهبوا وطبق عليهم الباب ... أما المرأة والصبيّ فلقول النبي عليه الصلاة والسلام:(( لا تقتلوا امرأةً ولا وليدًا ) )... لأن هؤلاء ليسوا من أهل القتال، فيقتلون ... إلى أن قال: والأصل ... أنّ كلَّ من كان من أهل القتال يحلُّ قتله، سواءً قاتل أو لم يقاتل! وكلُّ من لم يكن من أهل القتال لا يحلُّ قتله إلا إذا قاتل حقيقةً، أو معنىً بالرأي والطاعة والتحريض وأشباه ذلك. فيقتل القسِّيس والسَّيَّاح الذي يخالط الناس، والذي يُجَنُّ ويفيق والأصَمُّ والأخرسُ وأقطعُ اليد اليسرى وأقطع إحدى الرجلين وإن لم يقاتلوا، لأنهم من أهل القتال). أهـ
قلت: واضحٌ من كلام الكاساني - رحمه الله تعالى - أنه لا يرى قتال كل من ذكرهم إلاّ إذا قاتلوا حقيقة أو معنىً بالرأي والطاعة والتحريض وأشباه ذلك، فهو قاس أولئك على النساء في تحريم قتلهم في حالة عجزهم عن القتال كالشيخ الفاني والمقعد ويابس الشق والأعمى ومقطوع الرجل واليد من خلاف