فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 83

واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة فلا فرحة لمن لا همّ له ولا لذة لمن لا صبر له ولا نعيم لمن لا شقاء له ولا راحة لمن لا تعب له بل إذا تعب العبد قليلًا استراح طويلًا وإذا تحمل مشقة الصبر ساعة قاده لحياة الأبد وكل ما فيه أهل النعيم المقيم فهو صبر ساعة والله المستعان ولا قوة إلاّ بالله). (انظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم(2/ 18 - 19 ) )

قلت: إنّ التكاليف المأمور بها وإن كانت في نفسها مصلحة إلاّ أنه لابد أن يقترن بها نوع من المشاق الذي يحتاج إلى الصبر، والألم الذي يحتاج إلى التحمل، فلابد من وقوع بعض الأذى، لكن الشريعة تنظر إلى المصلحة الراجحة من ذلك العمل الذي به تغمر الشرور والمفاسد، ولذلك لا التفات إلى المفاسد القليلة إلى جانب المصالح الكثيرة، إذ من الأعمال ما لا يمكن تحقيقه على مقتضى الشرع إلاّ بنوع من الأذى والشر والمفسدة فالمصلحة حين تكون أرجح من المفسدة تكون خيرًا للعباد وأشد تثبيتًا وأعظم فائدة وأحمد عاقبة من التقاعد عن تحصيلها (ومن تتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، حصل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأنّ هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأنّ هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص، فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك) . (انظر: قواعد الأحكام في مصالح الأنام للإمام عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله تعالى -، ص 327)

إذًا فكل أمر يكون فيه نفع عاجل أو آجل سواء كان بالجلبة أو التحصيل كاستحصال المنافع واللذائذ والفوائد أو كان بالدفع والاتقاء كالشرور والمفاسد والمضار والآلام فهو مصلحة.

غير أنّ الاعتماد في تحصيل تلك المصالح ودرء المفاسد على ما يظهر في الظنون، إذ لا يعلم بعاقبة الأمور في جميع الأعمال إلاّ الله سبحانه وتعالى ولذلك جاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: (( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) ). (متفق عليه عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه -) .

والأسباب الجالبة لتلك المصالح لابد من تعاطيها لارتباط السبب بالمسبب والمقدمة بالنتيجة ولا يقطع بحسن العاقبة لكون الأسباب مظنون بها، والعباد إنما يأخذون بالعمل بالأسباب بناء على حسن الظنون لأن معظمها صادق لا كاذب موافق غير مخالف، وإن كان يحصل في بعض الأحيان نذور كذب تلك الظنون - لحكمة يعلمها الله سبحانه وتعالى - ولكن لا يجوز تعطيل المصالح بدعوى إمكانية كذب الظنون، وذلك أنّ تعطيل المصالح الغالبة لأجل المفاسد النادرة أو القليلة مفسدة كبيرة بحد ذاتها.

يقول الإمام عز الدين بن عبد السلام في (قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ص 5 - 6) : (الاعتماد في جلب معظم مصالح الدارين ودرء مفاسدهما على ما يظهر في الظنون. وللدارين مصالح إذا فاتت فسد أمرهما؛ ومفاسد إذا تحققت هلك أهلها، وتحصيل معظم هذه المصالح بتعاطي أسبابها مظنون غير مقطوع به؛ فإنّ عمال الآخرة لا يقطعون بحسن الخاتمة وإنما يعملون بناءً على حسن الظنون، وهم مع ذلك يخافون ألاّ يقبل منهم ما يعملون، وقد جاء التنزيل بذلك في قوله:(والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون) [المؤمنون: 60] .

فكذلك أهل الدنيا إنما يتصرفون بناءً على حسن الظنون، وإنما اعتمد عليها لأن الغالب صدقها عند قيام أسبابها؛ فإنّ التجار يسافرون على ظن أنهم يسلمون ويربحون، والصناع يخرجون من منازلهم على ظن أنهم يستعملون بما به يرتفقون، والأكارون يحرثون ويزرعون بناءً على أنهم مستغلون، والجمالون والبغالون يتصدرون للكراء لعلهم يستأجرون، والملوك يجندون الأجناد ويحصنون البلاد بناءً على أنهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت