فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 83

بذلك ينتصرون، وكذلك يأخذ الأجناد الحذر والأسلحة على ظن أنهم يغلبون ويسلمون، والشفعاء يشفعون على ظن أنهم يشفعون، والعلماء يشتغلون بالعلوم على ظن أنهم ينجحون ويتميزون، وكذلك الناظرون في الأدلة والمجتهدون في تعرف الأحكام يعتمدون في الأكثر على ظن أنهم يظفرون بما يطلبون، والمرضى يتداوون لعلهم يشفون ويبرءون. ومعظم هذه الظنون صادق موافق غير مخالف ولا كاذب، فلا يجوز تعطيل هذه المصالح الغالبة الوقوع خوفًا من ندور وكذب الظنون، ولا يفعل ذلك إلاّ الجاهلون). أهـ

قلت: إذا كان الاعتماد في جلب معظم المصالح ودرء معظم المفاسد على الظنون فإنّ المصالح الخالصة العارية عن مفسدة عزيزة الوجود(وربما كانت أسباب المصالح مفاسد فيؤمر بها أو تباح لا لكونها مفاسد بل لكونها مؤدية إلى المصالح، وذلك كقطع الأيدي المتآكلة حفظًا للأرواح، وكالمخاطرة بالأرواح في الجهاد، وكذلك العقوبات الشرعية كلها ليست مطلوبة لكونها مفاسد بل لكونها المقصودة من شرعها كقطع يد السارق وقطع الطريق وقتل الجناة ورجم الزناة وجلدهم وتغريبهم وكذلك التعزيرات، كل هذه مفاسد أوجبها الشرع لتحصيل ما رتب عليها من المصالح الحقيقية، ولتسميتها بالمصالح من مجاز تسمية السبب باسم المسبب ...

وربما كانت أسباب المفاسد مصالح فنهى الشرع عنها لا لكونها مصالح بل لأنها تؤدي إلى مفاسد وذلك كالسعي في تحصيل اللذات المحرمات والشبهات المكروهات والترفهات بترك مشاق الواجبات والمندوبات فإنها مصالح نهى عنها لا لكونها مصالح بل لأنها تؤدي إلى المفاسد الحقيقية وتسميتها مفاسد من مجاز تسمية السبب باسم المسبب). أهـ (انظر: قواعد الأحكام لابن عبد السلام، ص 13 - 14)

والمصالح (متفاوتة الرتب منقسمة إلى الفاضل والأفضل والمتوسط بينهما، فأفضل المصالح ما كان شريفًا في نفسه، دافعًا لأقبح المفاسد، جالبًا لأرجح المصالح) [[1] ]... وإذا نظرنا إلى الجهاد وجدنا أنّ (فوائده ضربان: أحدهما مصالحه، وهي منقسمة إلى العاجل والآجل.

فأما مصالحه العاجلة: فإعزاز الدين، ومحق الكافرين، وشفاء صدور المؤمنين من اغتنام أموالهم وتخميسها وإرقاق نسائهم وأطفالهم.

وأما مصالحه الآجلة: فالأجر العظيم، قال الله تعالى: (ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا) [النساء: 74] فجعل الأجر العظيم للقتلى والغالبين، والغالب أفضل من القتيل لأنه حصل مقاصد الجهاد، وليس القتيل مثابًا على القتل لأنه ليس من فعله، وإنما يثاب على تعرضه للقتل في نصرة الدين.

الضرب الثاني من فوائد الجهاد: درؤه لمفاسد عاجلة وآجلة.

أما العاجلة فلأنه سبب لغفران الذنوب، والغفران دافع لمفاسد العقاب.

وأما العاجلة فإنه يدرأ الكفر من صدور الكافرين إن قتلوا أو أسلموا خوفًا من القتل، وكذلك استيلاء الكفار على قتل المسلمين وأخذ أموالهم وإرقاق حرمهم وأطفالهم، وانتهاك حرمة الدين) [[2] ]أه.

(1) المصدر السابق، ص 43 - 44

(2) المصدر السابق، ص 44

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت