فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 83

(فإن قيل: الجهاد إفساد وتفويت النفوس والأطراف والأموال، وهو مع ذلك قربة إلى الله؟ قلنا: لا يتقرب به من جهة كونه إفساد، وإنما يتقرب به من جهة كونه وسيلة إلى درء المفاسد وجلب المصالح) [[1] ].

والحاصل من ذلك أنّ المصالح المعتبرة شرعًا وكذلك المفاسد المعتبرة شرعًا ما كانت غالبة عند موازنتها بما يقابلها، والسعي إلى تحصيل المصالح هو المراد بمقتضى العادة وعليه يقع الطلب على العباد(فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعًا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد، ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل، وليكون حصولها أتمّ وأقرب وأولى بنيل المقصود، على مقتضى العادات الجارية في الدنيا. فإن تبعها مفسدة أو مشقة فليست بمقصودة في شرعية ذلك الفعل وطلبه.

وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر إلى المصلحة في حكم الاعتياد، فرفعها هو المقصود شرعًا؛ ولأجله وقع النهي، ليكون رفعها على أتم وجوه الإمكان العادي في مثلها، حسبما يشهد له كل عقل سليم. فإن تبعتها مصلحة أو لذة فليست هي المقصودة بالنهي عن ذلك الفعل، بل المقصود ما غلب في المحل، وما سوى ذلك ملغى في مقتضى النهي كما كانت جهة المفسدة ملغاة في جهة الأمر). أهـ (انظر: الموافقات للشاطبي، 2/ 26 - 27)

والمصلحة ليست دليلًا مستقلًا من الأدلة الشرعية كالكتاب والسنة والإجماع والقياس حتى تبني عليها الأحكام الجزئية، وإنما هي معنى كلي مستخلص في مجموع جزئيات الأحكام الشرعية تتكون منها القدر الكلي المشترك والتي به يتم مراعاة مصالح العباد في الدارين.

وبما [[2] ]أنّ الكلي لا يتقوم إلاّ بجزئياته كان اعتبار حقيقة المصلحة في أي أمر أن يكون مدعمًا بدليل من الأدلة الشرعية التفصيلية(وإلاّ بطل دليل الاستقراء الذي به تمّ الدليل على جريان الأحكام وفق المصالح وبالتالي تبطل قيمة المصالح نفسها من حيث إنّها معنى كلي مبثوث في جزئيات الأحكام وحينئذ لا يجوز الاعتماد عليها أصلًا.

من أجل هذا كان لابد لاعتبار المصلحة في التشريع من تقييدها بضوابط تحدد معناها الكلي من ناحية، وتربطها بالأدلة التفصيلية للأحكام من ناحية أخرى حتى يتم التطابق بذلك بين الكلي وجزئياته). أهـ (انظر: ضوابط المصلحة، ص 108)

وهذه الضوابط للمصلحة الشرعية ستة وقد عرفت بالاستقراء والتتبع للنصوص الشرعية وهي:

الأول: اندراجها في مقاصد الشرع، فالجهاد شرع لحفظ الدين من حيث حمل الناس على التوحيد ودرء الفساد الواقع أو المتوقع على الإسلام.

الثاني: عدم معارضتها للكتاب والمقصود بمعارضة المصلحة للكتاب أن لا تكون المصلحة موهومة لا تستند إلى أصل تقاس عليه بمعنى أصح أن لا تعارض المصلحة المتوهمة نصًا قاطعًا، أو ظاهرًا، جليًا أو غير جلي من القرآن الكريم. وأن تكون المصلحة مستندة إلى أصل صحيح قيست عليه بجامع بينهما.

(1) المصدر السابق، ص 97

(2) المصدر السابق، ص 107 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت