فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 83

إلى النزول على حكم النبي صلى الله عليه وسلم وأيقنوا بأنه يرد الحكم إلى سعد. وفي رواية علي بن مسهر عن هشام بن عروة عند مسلم: فرد الحكم فيهم إلى سعد وكانوا حلفاءه.

قوله: (فإني أحكم فيهم) أي في هذا الأمر، وفي روايه النسفي: (وإني أحكم فيهم) ، قوله: (أن تقتل المقاتلة) قد تقدم في الذي قبله بيان ذلك، وذكر ابن إسحاق أنهم حبسوا في دار نبت الحارث، وفي رواية أبي الأسود عن عروة في دار أسامة بن زيد، ويجمع بينهما بأنهم جعلوا في بيتين، قال ابن إسحاق: فخندقوا لهم خنادق فضربت أعناقهم فجرى الدم في الخنادق، وقسم أموالهم ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأسهم للخيل فكان أول يوم وقعت فيه السهمان لها. وعند ابن سعد من مرسل حميد بن هلال: أنّ سعد بن معاذ حكم أيضًا:"أن تكون دارهم للمهاجرين دون الأنصار"، فلامه فقال:"إن أحببت أن تستغنوا عن دورهم، واختلف في عدتهم". فعند ابن إسحاق أنهم كانوا ستمائة وبه جزم أبو عمرو في ترجمة سعد بن معاذ، وعند ابن عائذ من مرسل قتادة: كانوا سبعمائة. وقال السهيلي: المكثر يقول: إنهم ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة. وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبّان بإسناد صحيح: أنهم كانوا تسعمائة).أه

قلت: إنّ الأصل في الكفار المحاربين الشدة والغلظة عليهم وهو الإثخان، (فعن مجاهد: الإثخان القتل، وقيل المبالغة فيه، وقيل معناه حتى يتمكن في الأرض. وأصل الإثخان في اللغة الشدة والقوة) . (الفتح، 6/ 152) ، كما قال الله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيزٌ حكيم) [الأنفال: 67] .

وقال تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منًا بعد وإما فداءً حتى تضع الحرب أوزارها ... ) [محمد: 4] .

ومجاهد وغيره منعوا أخذ الفداء من أسارى الكفار، (وحجتهم منها أنه تعالى أنكر إطلاق أسرى كفار بدر على مال فدل على عدم جواز ذلك بعد، واحتجوا بقوله تعالى:(فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ، قال: فلا يستثنى من ذلك إلاّ من يجوز أخذ الجزية منهم. وقال الضحاك: بل قوله تعالى: (فإما منًا بعد وإما فداءً) ناسخ لقوله تعالى: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ، وقال أبو عبيد: لا نسخ في شيء من هذه الآيات بل هي محكمة، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم عمل بما دلت عليه كلها في جميع أحكامه: فقتل بعض الكفار يوم بدر، وفدى بعضًا، ومنَّ على بعض، وكذا قتل بني قريظة ومنّ على بني المصطلق، وقتل ابن خطل وغيره بمكة ومنَّ سائرهم [[1] ]، وسبى هوازن ومنّ على ثمامة ابن أثال، فدل كل ذلك على ترجيح قول الجمهور أنّ ذلك راجع إلى رأي الإمام. ومحصل أحوالهم تخيير الإمام بعد الأسر بين ضرب الجزية لمن شرع أخذها منه أو القتل أو الاسترقاق أو المنّ بلا عوض أو بعوض هذا في الرجال، وأما في النساء والصبيان فيرقون بنفس الأسر ... ) أهـ (انظر: فتح الباري، 6/ 152)

قلت: هذه الحالات العشر التي سبق بيانها هي الحالات الاستثنائية للنهي عن قتل نساء الكفار وأطفالهم، ومن ليس من المقاتلة منهم على خلاف في بعضها كما أسلفنا، وفيها دلالة على أنّ عصمة دماء نساء الكفار وصبيانهم، وأموالهم وأعراضهم ليست على الإطلاق بل إنّ الشريعة الإسلامية أباحت دماء الكفار المعصومين وكذلك أموالهم وأعراضهم في بعض الحالات الاستثنائية والتي يجوز فيها قتلهم

(1) كذا في الأصل، و الصواب (ومن على سائرهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت