والمتأمل لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النفس يرى أنّ (جناية الإنسان على نفسه كجنايته على غيره في الإثم لأن نفسه ليست ملكًا له مطلقًا بل هي لله تعالى فلا يتصرف فيها إلاّ بما أذن له فيه) ، حكاه ابن دقيق العيد. (انظر فتح الباري 11/ 539)
قلت: والقيام بالعمليات الإستشهادية من المأذون فيه شرعًا - إن شاء الله تعالى - لأنه تلف للنفس في سبيل الله وهذا مقام شريف مدح الله به المؤمنين في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُوْنَ فِي سَبِيْلِ اللهِ فَيَقْتُلُوْنَ وَيُقْتَلُوْنَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيْلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيْمُ) [التوبة: 111] .
فأمر الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين ببذل أنفسهم وأموالهم في ذاته سبحانه وتعالى مع أنه سبحانه هو الواهب لهم أنفسهم وأموالهم ووعدهم بذلك ما هو خير منها في الآخرة إن وهبوا أنفسهم وأموالهم رخيصةً في سبيله سبحانه وتعالى وذلك غاية التفضل والإكرام. والذي يقوم بالعمليات الإستشهادية يبذل أغلى ما يملكه في ذات الله - بعد الإيمان بالله وبرسوله - وهو نفسه. كما قال الشاعر:
يجود بالنفس إن ضنّ البخيل بها والجود بالنفس أغلى غاية الجود
والله سبحانه وتعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ليقاتلوا في سبيله. (قال ابن عيينة معنى الآية: اشترى منهم أنفسهم ألاّ يُعمِلوها إلاّ في طاعة الله، وأموالهم ألاّ ينفقوها إلاّ في سبيل الله) . (تفسير المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي، 7/ 50 (
ومن يقوم بعملية استشهادية لا شكّ أنه في طاعة الله بل هو في أعلى مقامات الطاعة ألا وهي الجهاد في سبيل الله، فهو داخل - إن شاء الله تعالى - في معنى هذه الآية.
وقد قرأ حمزة والكسائي وخلف والنخعي وابن وثّاب وطلحة (فَيُقْتَلُوْنَ) على البناء للمفعول (وَيَقْتُلُوْنَ) على البناء للفاعل ووافقهم الحسن والأعمش؛ والباقون وهم ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو والحسن وقتادة وأبو رجاء وغيرهم قرأوا بعكس ذلك.
فعلى قراءة (فَيُقْتَلُوْنَ وَيَقْتُلُوْنَ) يمكن توجيهها على أنّ المقاتل في سبيل الله يُقْتَلُ ليَقْتُلَ، كالانغماس في العدوّ الكثير أو اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدوّ الكثير وحده مع غلبة ظنه بالهلاك وتلف النفس، وهكذا في العمليات الإستشهادية أيضًا يُقْتَلُ ليَقْتُلَ ولا فرق بين الحالتين، حال اقتحامه صف العدوّ وحمله على العدوّ الكثير وحده وانغماسه فيهم، وحال قيامه بعملية استشهادية، لأنه في كلا الحالتين يكون موت المجاهد محققًا أو يغلب على ظنه موته في سبيل الله وأنّ الكفار يقتلونه ويريقون دمه. فإن قيل: إنه في الحالة الأولى يكون احتمال نجاته واردًا بخلاف الحالة الثانية فإن موته محقق لا محالة. فيقال: احتمال نجاة القائم بالعمليات الإستشهادية أيضًا قائمة، فكم من مجاهد في سبيل الله يقوم بعملية استشهادية فيَقْتُلُ ولاَ يُقْتَلُ؛ وقد حصلت عشرات الحوادث من هذا النوع في أفغانستان والشيشان وفي البوسنة والهرسك وغيرها، بل إنّ أحد الذين قاموا بتفجير سفارتي أمريكا في نيروبي ودار السلام نفذ العملية بنجاح ولم يمت ولم تتلف نفسه وخرج من المبنى المهدم سالمًا.