ومعتذرًا للمسلمين من أنّه لم يقصد الإسلام والمسلمين، إنما كان تصريحه إعلان حرب على الإرهاب، واعتذاره لم يأت إلاّ بعد أن نبهه مستشاروه على أنّ كلمة ( CRUSADE) مرتبطة في أذهان النصارى بصلاح الدين وبهزيمتهم أمام المسلمين، وأنها ستثير حساسية المسلمين، وهو ما سيجعل أمريكا تخسر حلفاءها في العالم الإسلامي، وكذلك بير لوسكوني الصليبي حاول التراجع - كما حاول بوش من قبل - مدعيًا أنّ تصريحاته أسيء فهمها وتفسيرها، وأنه لم يقصد الإساءة إلى الحضارة الإسلامية.
ومهما حاول الاثنان الاعتذار، فإن تصريحاتهما نابعة من عقيدة مستكنة في ضمائرهما، ففي لحظة الانفعال والغضب يعبر الإنسان عن ما في نفسه، وذلك التعبير يكون نابعًا عن ما في قلبه من معتقدات وشعور وأحاسيس، وهذا الذي حدى ببوش وبير لوسكوني أن يطلقا تلك التصريحات دون أن يزناها بميزان المنطق والشعور والإحساس بالمسئولية، فتحدثا عن ما في قلبيهما ولم يحكم كلّ واحد منهما عقله. (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُوْرُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُوْنَ) [آل عمران: 118] ، ورموز السياسة الأمريكية أعلنوا أنّ هذه الحرب سوف تشمل أكثر من ستين دولة وأنها قد تستمر أكثر من عشر سنوات، ورصد لها ميزانية تقدر ب (40) مليار دولار.
ولقد اغتنم القساوسة النصارى تلك المناسبة، فدعى قسيس أمريكي إلى حرب المسلمين جميعًا في العالم لقتل ثلثيهم وتنصير الثلث الباقي، وفي أمريكا وأوربا ثارت حفيظة النصارى في كل مكان فقاموا بالتضييق على المسلمين، ومضايقة المحجبات من بنات المسلمين، وأغلقت المدارس والجامعات الإسلامية في أكثر من بلد في الغرب، وعطلت الصلوات في المساجد وهجرت صلاة الجمعة، وأدرجت المؤسسات الإسلامية في الغرب ضمن الجمعيات الداعمة للإرهاب!! مما يعني أنّ الإرهاب في مصطلح الكفر يعنون به الإسلام هذه هي الحقيقة التي يجب أن يفهمها كل مسلم، وأصبح الراكب المسلم ينزل من على متن الطائرة بحجة أنه إرهابي، ويتمّ إيقاف رحلات جوية، لأنه وجد في حقيبة أحد الركاب كتابًا يحمل اسمًا إسلاميًا أو مكتوبًا بالعربية. ولم يكتفوا بهذا فقط بل إنّ صاحب أحد المتاجر الصليبية يعلق لوحةً على باب متجره مكتوب عليها (اقتلوا جميع المسلمين ثم الله يميز بينهم فيما بعد) .. !!
ويأتي أيضًا في هذا السياق تصريحات بوش الصليبي والتي تدل على أنّ حربه المعلنة هي حرب على الإسلام والمسلمين قاطبةً فإلى جانب استعماله لكلمة ( CRUSADE) وهي تعني الصليبية، استعمل بعض العبارات والتصريحات ذات الدلالات الدينية الصليبية كقوله (إنّ هذه الحرب بين قوى الشر والخير وستنتصر إرادة الخير على الشر حتمًا) أما إنه صدق وهو كذوب، فهي حرب بين الخير والشر وستنتصر إرادة الخير على الشر دومًا وكما قال تعالى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ) [الأنفال: 19] ، واستعمل أيضًا عبارة (العدالة المطلقة) و (النسر النبيل) لحربه على أفغانستان وهي عبارات ورد ذكرها في التوراة المحرفة، مما يؤكد لدى المسلمين أنّ حرب أمريكا على أفغانستان هي حرب معلنة على الإسلام والمسلمين، شاء الناس ذلك أم أبوا .. !!
غير أنّ مما يؤسف له أن يكون الإعلام العربي منتكسًا إلى هذه الدرجة، فيتبع الإعلام الغربي ويسعى إلى تشويه صورة المجاهدين، ويردد صباح مساء أنهم إرهابيون ومتطرفون مع أنّ وجه أمريكا كدولة إرهابية بادٍ للعيان ولكن (مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوْرًا فَمَا لَهُ مِنْ نُوْرٍ) [النور: 40] ، إنّ أمريكا إرهابية بكل المقاييس وإرهابها إرهاب عنف وتطرف بكل ما تحمله كلمات العنف والتطرف والإرهاب من دلالات ومعان، فإرهابها تبرهن في تصريح رئيسها بوش الصليبي حين خاطب العالم بأسره أنّ من ليس معنا فهو ضدنا أو مع الإرهاب، مرغمًا كل دول العالم إلى السير خلف أمريكا والانخراط في صفها