فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 83

المقتول رجلًا مؤمنًا قد آمن وبقي في قومه وهم كفرة"عدو لكم"فلا دية فيه؛ وإنما كفارته تحرير الرقبة، وهو المشهور من قول مالك، وبه قال أبو حنيفة. وسقطت الدية لوجهين: أحدهما: أنّ أولياء القتيل كفار، فلا يصح أن تدفع إليهم فيتقووا بها. والثاني: أنّ حرمة هذا الذي آمن ولم يهاجر قليلة، فلا دية لقوله تعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا) [الأنفال: 72] ، وقالت طائفة: بل الوجه في سقوط الدية أنّ الأولياء كفار فقط، فسواء كان القتل خطأً بين أظهر المسلمين أو بين قومه ولم يهاجر أو هاجر ثم رجع إلى قومه كفارته التحرير ولا دية فيه؛ إذ لا يصح دفعها إلى الكفار، ولو وجبت الدية لوجبت لبيت المال، على بيت المال فلا تجب الدية في هذا الموضع وإن جرى القتل في بلاد الإسلام. هذا قول الشافعي وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو ثور. وعلى القول الأول إن قتل المؤمن في بلاد المسلمين وقومه حرب ففيه الدية لبيت المال والكفارة). (انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 3/ 5 / 2208)

قلت: إنّ حالة بقاء المؤمن في قومه وهم كفرة تنطبق على مسلمي أمريكا وأوروبا الذين يسلمون ويبقون في ديار أقوامهم الكفرة من اليهود والنصارى، فمن كان من أمثال هؤلاء مقتولًا في حروب المسلمين على الكفار وقتل بأيدي المسلمين فلا دية فيه وإنما كفارته تحرير الرقبة وتنطبق عليه المسألة التي نصّ عليها العلماء كما سبق النقل في ذلك عن الإمام القرطبي - رحمه الله تعالى -.

واعلم أخي - وفقك الله ورعاك - أنّ الواجب على المسلمين المقيمين بين أظهر المشركين، أن لا يساكنوا المشركين ولا يختلطوا بهم، وأن يهاجروا من بلاد اليهود والنصارى ولا يقيموا فيها ما لم تدع ضرورةً إلى إقامتهم فيها للأدلة الواردة في النهي عن الإقامة في دار الكفر ومساكنة المشركين والاجتماع بهم.

فعن جرير بن عبد الله - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خثعم فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم بنصف العقل وقال: (( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، قالوا: يا رسول الله، ولم؟ قال: لا ترايا ناراهما ) ). (رواه الترمذي، 4 / برقم: 1604 ص 132 - 133 تحقيق الحوت، باب 42 ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين؛ وأبو داود، 3 / برقم: 2645 ص 46، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود؛ والنسائي، مجلد 4 ج 8 ص 36 كتاب القسامة، باب القود بغير حديدة عن قيس (، وروى الترمذي - أيضًا - برقم(1605) عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم فمن ساكنهم أو جامعهم فهو مثلهم ) ). ولم يذكر الترمذي سنده ولكن رواه أبو داود في كتاب الجهاد، باب في الإقامة بأرض الشرك، 3 / برقم: 2787 ص 93 عن سمرة بن جندب مرفوعًا بلفظ: (( من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله ) ).

قلت: وقد أفاد حديث جرير أن المسلم الذي يقيم بين أظهر المشركين إذا قتله المسلمون حال حربهم للكافرين أنّ حكمه كحكم من هلك بفعل نفسه فلورثته نصف الدية لأنه أعان على نفسه بمقامه بين المشركين. قال المحدث السهارنفوري في بذل المجهود في حل أبي داود (11/ 154) : (((فاعتصم ناس منهم ) )أي من أهل خثعم (بالسجود) عن القتل بأنهم ظنوا أنّ المسلمين إذا رأونا ساجدين تيقنوا بإسلامنا فلا يقتلوننا فلم يلتفت المسلمون إلى سجودهم (( فأسرع فيهم القتل ) )أي فشا وشاع (قال: أي جرير فبلغ ذلك) أي خبر قتلهم (النبي صلى الله عليه وسلم فأمر لهم) أي لعصابتهم وورثتهم بنصف العقل لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين الكفرة فكانوا كمن هلك بفعل نفسه وفعل غيره فسقط حصة جنايته (( وقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت