إن هذا القرآن يخاطب الكينونة البشرية، بما يعلم خالقها من تركيبها الخفي، وبما يطلع منها على الظاهر والباطن، وعلى المنحنيات والدروب والمسالك!
وهو - سبحانه - يعلم مواطن الضعف في هذه الكينونة. ويعلم أن الحرص على الأموال وعلى الأولاد من أعمق مواطن الضعف فيها. . ومن هنا ينبهها إلى حقيقة هبة الأموال والأولاد. . لقد وهبها الله للناس ليبلوهم بها ويفتنهم فيها. فهي من زينة الحياة الدنيا التي تكون موضع امتحان وابتلاء؛ ليرى الله فيها صنيع العبد وتصرفه. . أيشكر عليها ويؤدي حق النعمة فيها؟ أم يشتغل بها حتى يغفل عن أداء حق الله فيها؟: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} فالفتنة لا تكون بالشدة وبالحرمان وحدهما. . إنها كذلك تكون بالرخاء والعطاء أيضا! ومن الرخاء العطاء هذه الأموال والأولاد. .
هذا هو التنبيه الأول: {واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة} . .
فإذا انتبه القلب إلى موضع الامتحان والاختبار، كان ذلك عونا له على الحذر واليقظة والاحتياط؛ أن يستغرق وينسى ويخفق في الامتحان والفتنة.
ثم لا يدعه الله بلا عون منه ولا عوض. . فقد يضعف عن الأداء - بعد الانتباه - لثقل التضحية وضخامة التكليف؛ وبخاصة في موطن الضعف في الأموال والأولاد! إنما يلّوح له بما هو خير وأبقى، ليستعين به على الفتنة ويتقوى: {وإن الله عنده أجر عظيم} . .
إنه - سبحانه - هو الذي وهب الأموال والأولاد. . وعنده وراءهما أجر عظيم لمن يستعلي على فتنة الأموال والأولاد، فلا يقعد أحد إذن عن تكاليف الأمانة وتضحيات الجهاد. . وهذا هو العون والمدد للإنسان الضعيف، الذي يعلم خالقه مواطن الضعف فيه: {وخلق الإنسان ضعيفًا} إنه منهج متكامل في الاعتقاد والتصور، والتربية والتوجيه، والفرض والتكليف. منهج الله الذي يعلم؛ لأنه هو الذي خلق: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟}