فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 324

عَنْ مُسْلِمٍ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بن إِيَاسِ بن أَبِي فَاطِمَةَ الضَّمْرِيِّ فَحَدَّثَنِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: مَنْ يُحِبُّ أَنْ يُصْبِحَ فَلا يَسْقَمُ؟ فَابْتَدَأَنْاهُ فَقُلْنَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَعَرَفْنَاهَا فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: أَتُحِبُّونَ أَنْ تَكُونُوا كَالْحَمِيرِ الصِّيالَةِ؟ قَالُوا: لا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَلا تُحِبُّونَ أَنْ تَكُونُوا أَصْحَابَ بَلاءٍ، وَأَصْحَابَ كَفَّارَاتٍ؟ فَوَالَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ إِنَّ اللَّهَ لَيَبْتَلِيَ الْمُؤْمِنَ الْبَلاءَ وَمَا يَبْتَلِيهِ بِهِ إِلا لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَهُ مَنْزِلَةً لَمْ يَبْلُغْهَا بِشَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ فَيَبْتَلِيهِ مِنَ الْبَلاءِ مَا يُبَلِّغُهُ تِلْكَ الدَّرَجَةَ. [1]

(1) - المعجم الكبير للطبراني - (ج 16 / ص 183) برقم (18260) ، (حسن لغير ه)

وفي شرح ابن بطال - (ج 17 / ص 490)

قال الطبرى: في هذه الآثار من الفقه أن الرغبة إلى الله في عافية في الجسم أفضل للعبد وأصلح له من الرغبة اليه في البلاء، وذلك أنه عليه السلام كان يدعو للمرضى بالشفاء من عللهم.

فإن قال قائل: ماوجه دعائه عليه السلام لسعد بالشفاء، وقد تظاهرت الأخبار عنه عليه السلام أنه قال يومًا لأصحابه: من أحب أن يصح ولايسقم؟ فقالوا: نحن يارسول الله. فقال: أتحبون أن تكونوا مثل الحمر الصيالة؟ وتغير وجه النبى عليه السلام ثم قال: ألا تحبون أن تكونوا أصحاب بلاء وأصحاب كفارات؟ قالوا: بلى يارسول الله. قال: فوالذى نفس أبى القاسم بيده إن الله تعالى ليبتلى المؤمن، ومايبتليه إلا لكرمته عليه، وإلا أن له عنده منزلة لا يبلغها شىء من عمله دون أن يبلغ من البلاء ما يبلغه تلك المنزلة. من حديث أبى عقيل مسلم بن عقيل، عن عبد الله بن إياس بن أبى فاطمة، عن أبيه، عن جده، عن النبى - صلى الله عليه وسلم -.

وروى زيد بن أبى أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة قال: «جاء رجل مصح إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله: أصابتك أم ملدم قط؟ قال له: لا يارسول الله. فلما ولى الرجل قال لهم رسول الله: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا» .

وروى الليث عن يزيد أبى حبيب، عن سعد بن يسار عن أنس بن مالك، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضى فله الرضا، ومن سخط فله السخط» مع كثرة من كان يؤثر العلل والأسقام من السلف.

قيل: ليس شىء من هذه الآثار يعارض أحاديث هذا الباب ولكل حديث منها وجه مفهوم وذلك أن العلل والأمراض كفارات لأهل الإيمان وعقويات يمحص الله بها عمن شاء منهم في الدنيا ليلقوه مطهرين من دنس الذنوب، كما روى أيوب، عن أبى قلابة، عن أنس قال: «كان أبو بكر الصديق يأكل مع النبى فنزلت هذه الآية: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره) فرفع أبو بكر يده فقال: يارسول الله، إنى أجزى بما عملت من مثقال ذرة من شر؟ فقال: ياأبا بكر، مارأيت في الدنيا مما تكره فبمثقال ذر الشر ويدخر لك مثاقيل الخير حتى توفاه يومه القيامة» .

فإذا كانت العلل والأوجاع إنما هى عقوبات على التبعات ثبت أنه النبى عليه السلام إنما دعا بالشفاء من الأمراض لمن لا كبائر له، ومن سلم من الذنوب الموجبة للعقوبات وبرىء من مظالم العباد وكره اختيار الصحة على البلاء في هذه الأحاديث الأخر لأهل الإجرام ولمن اقترف على نفسه الآثام، فكره له أن يختار لنفسه لقاء ربه بآثمه وموافاته بإجرامه غير متحمص ولا متطهر من الأدناس، فليس شىء من الأخبار خلاف لصاحبه، والله الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت