، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» [1] .
(1) - صحيح البخارى برقم (6943)
وفي شرح ابن بطال - (ج 15 / ص 322)
أجمع العلماء أن من أكره على الكفر فاختار القتل أنه أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة.
واختلفوا فيمن أكره على غير الكفر من فعل ما لا يحل له فقال أصحاب مالك: الأخذ بالشدة في ذلك، واختيار القتل والضرب أفضل عند الله من الأخذ بالرخصة. ذكره ابن حبيب وسحنون.
وذكر ابن سحنون عن أهل العراق، أنه إذا تهدد بقتل أو بقطع أو ضرب يخاف منه التلف حتى يشرب الخمر أو يأكل الخنزير فذلك له، فإن لم يفعل حتى قتل أن يكون آثمًا، وهو كالمضطر إلى أكل الميتة وشرب الخمر غير باغ ولا عاد، فإن خاف على نفسه الموت فلم يأكل ولم يشرب أثم.
وقال مسروق: من اضطر إلى شىء مما حرم الله عليه فلم يأكل ولم يشرب حتى مات دخل النار. قالوا: ولا يشبه هذا الكفر وقتل المسلم؛ لأن في هذا رخصة وتركه أفضل، ولم يجعل في الضرورة حلالا.
قال سحنون: إذا لم يشرب الخمر ولا يأكل الخنزير حتى قتل كان أعظم لأجره كالكفر؛ لأن الله تعالى أباح له الكفر ضرورة الإكراه، وأباح له الميتة والدم بضرورة الحاجة إليهما، وأجمعا أن له ترك الرخصة في قول الكفر، فكذلك يلزم مخالفنا أن يقول في ترك الرخصة في الميتة ولحم الخنزير، ولا يكون معينًا على نفسه.
وقد تناقض الكوفيون في هذا فقالوا كقولنا في المكره توعد بقطع عضو أو قتل على أن يأخذ مالا لفلان فيدفعه إلى فلان أنه في سعة من ذلك؛ لأنه كالمضطر ويضمن الآمر، ولا ضمان على المأمور، فإن أبى أن يأخذ حتى قتله كان عندنا في سعة. فيقال لهم: هذا مال مسلم قد أحللتموه بالإكراه؛ فلم لا يسعه ترك أكل الميتة حتى يقتل كما وسعه أخذ مال المسلم في الإكراه حتى يقتل.
قال المؤلف: وحديث خباب حجة لأصحاب مالك؛ لوصفه - صلى الله عليه وسلم - عن الأمم السالفة من كان يمشط لحمه بأمشاط الحديد، ويشق بالمناشير بالشدة في دينه والصبر على المكروه في ذات الله، ولم يكفروا في الظاهر ويبطنوا الإيمان، ليدفعوا العذاب عن أنفسهم؛ فمدحهم، وكذلك حديث أنس سوى فيه النبى - صلى الله عليه وسلم - بين كراهية المؤمن الكفر وكراهيته لدخول النار، وإذا كان هذا حقيقة الإيمان، فلا مخالفة أن الضرب والهوان والقتل عند المؤمن أسهل من دخول النار، فينبغى أن يكون ذلك أسهل من الكفر إن اختار الأخذ بالشدة على نفسه. قال المهلب: وقد اعترض هذا قوم بقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا} [النساء: 29] ولا حجة لهم في الآية؛ لقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك عدوانًا وظلمًا} [النساء: 3] والعدوان والظلم محرمان، وليس من أهلك نفسه في طاعة الله بعاد ولا ظالم، ولو كان كما قالوا لما جاز لأحد أن يقتحم المهالك في الجهاد، وقد افترض على كل مسلم مقارعة رجلين من الكفار ومبارزتهما، وهذا من أبين المهلكات والغرر. ومن فر من اثنين فقد أكبر المعصية وتعرض لغضب الله. وقول خباب للنبى - صلى الله عليه وسلم: «ألا تدعو الله أن يكفينا» يعنى عدوان الكفار عليهم بمكة قبل هجرتهم وضربهم لهم وإيثاقهم بالحديد.
وفيه من الفقه: أن النبى - صلى الله عليه وسلم - لم يترك الدعاء في ذلك على أن الله أمرهم بالدعاء أمرًا عامًا بقوله: {ادعونى أستجب لكم} [غافر: 60] وبقوله: {فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا} [الأنعام: 43] إلا لأنه - صلى الله عليه وسلم - علم من الله أنه قد سبق من قدره وعلمه أنه يجرى عليهم ما جرى من البلوى والمحن ليؤجروا عليها على ما جرت عادته في سائر أتباع الأنبياء من الصبر على الشدة في ذات الله، ثم يعقبهم بالنصر والتأييد، والظفر وجزيل الأجر، وأما غير الأنبياء فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلة تنزل بهم؛ لأنهم لا يعلمون الغيب فيها، والدعاء من أفضل العبادة ولا يخلو الداعى من إحدى الثلاث التى وعد النبى - صلى الله عليه وسلم - بها.
وفيه: علامات النبوة وذلك خروج ما قال - صلى الله عليه وسلم - من تمام الدين وانتشار الأمر وإنجاز الله ما وعد نبيه - صلى الله عليه وسلم - من ذلك.