من طبيعتها. والتوجه إلى الخالق هو الأَوْلى، وهو الأول، وهو المتجه الذي لا يحتاج إلى عنصر خارج عن طبيعة النفس وانجذابها الفطري. والرجل المؤمن يحس هذا في قرارة نفسه، فيعبر عنه هذا التعبير الواضح البسيط، بلا تكلف ولا لف ولا تعقيد!
وهو يحس بفطرته الصادقة الصافية كذلك أن المخلوق يرجع إلى الخالق في النهاية. كما يرجع كل شيء إلى مصدره الأصيل. فيقول: {وإليه ترجعون} . .
ويتساءل لم لا أعبد الذي فطرني، والذي إليه المرجع والمصير؟ ويتحدث عن رجعتهم هم إليه. فهو خالقهم كذلك. ومن حقه أن يعبدوه.
ثم يستعرض النهج الآخر المخالف للمنهج الفطري المستقيم. فيراه ضلالًا بينًا: {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئًا ولا ينقذون؟} . .
وهل أضل ممن يدع منطق الفطرة الذي يدعو المخلوق إلى عبادة خالقه، وينحرف إلى عبادة غير الخالق بدون ضرورة ولا دافع؟ وهل أضل ممن ينحرف عن الخالق إلى آلهة ضعاف لا يحمونه ولا يدفعون عنه الضر حين يريد به خالقه الضر بسبب انحرافه وضلاله؟ {إني إذًا لفي ضلال مبين} .وهكذا ألقى بكلمة الإيمان الواثقة المطمئنة. وأشهدهم عليها. وهو يوحي إليهم أن يقولوها كما قالها. أو أنه لايبالي بهم ماذا يقولون!
ويوحي سياق القصة بعد ذلك أنهم لم يمهلوه أن قتلوه. وإن كان لا يذكر شيئًا من هذا صراحة. إنما يسدل الستار على الدنيا وما فيها , وعلى القوم وما هم فيه ; ويرفعه لنرى هذا الشهيد الذي جهر بكلمة الحق , متبعًا صوت الفطرة , وقذف بها في وجوه من يملكون التهديد والتنكيل. نراه في العالم الآخر. ونطلع على ما ادخر الله له من كرامة. تليق بمقام المؤمن الشجاع المخلص الشهيد: (قيل: ادخل الجنة. قال: يا ليت قومي يعلمون. بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين) . .