الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها وصبرهم على بلائها. . إنهم عندئذ سيقولون في أنفسهم: لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة خيرًا مما يبتلون به وأكبر ما قبلوا هذا البلاء، ولا صبروا عليه. . وعندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها، مقدرين لها، مندفعين إليها. . وعندئذ يجيء نصر الله والفتح ويدخل الناس في دين الله أفواجًا. .
ولا بد من البلاء كذلك ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى. فالشدائد تستجيش مكنون القوى ومذخور الطاقة؛ وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد. والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتدق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش عن العيون، والران عن القلوب. وأهم من هذا كله، أو القاعدة لهذا كله. . الالتجاء إلى الله وحده حين تهتز الأسناد كلها، وتتوارى الأوهام وهي شتى، ويخلو القلب إلى الله وحده. لا يجد سندًا إلا سنده. وفي هذه اللحظة فقط تنجلي الغشاوات، وتتفتح البصيرة، وينجلي الأفق على مد البصر. . لا شيء إلا الله. . لا قوة إلا قوته. . لا حول إلا حوله. . لا إرادة إلا إرادته. . لا ملجأ إلا إليه. . وعندئذ تلتقي الروح بالحقيقة الواحدة التي يقوم عليها تصور صحيح. .
إن الله يضع هذا كله في كفة. ويضع في الكفة الأخرى أمرًا واحدًا. . صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون. . إنه لا يعدهم هنا نصرًا، ولا يعدهم هنا تمكينًا ولا يعدهم هنا مغانم، ولا يعدهم هنا شيئًا إلا صلوات الله ورحمته وشهادته. . لقد كان الله يعد هذه الجماعة لأمر أكبر من ذواتها وأكبر من حياتها. فكان من ثم يجردها من كل غاية، ومن كل هدف ومن كل رغبة من الرغبات البشرية - حتى الرغبة في انتصار العقيدة - كان يجردها من كل شائبة تشوب التجرد المطلق له ولطاعته ولدعوته. . كان عليهم أن يمضوا في طريقهم لا يتطلعون إلى شيء إلا رضى الله وصلواته ورحمته وشهادته لهم بأنهم مهتدون. . هذا هو الهدف، وهذه