أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ ، وَهَؤُلاَءِ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ وَيَتَعَلَّمُونَ ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ، وَهَذَا أَفْضَلُ فَقَعَدَ مَعَهُمْ.""
وفي مسند البزار (2458) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، أَنّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ ، وَأَحَدُ الْمَجْلِسَيْنِ يَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ وَالآخَرُ يَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ وَيُعَلِّمُونَهُ ، فَقَالَ: كِلا الْمَجْلِسَيْنِ عَلَى خَيْرٍ وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ ، أَمَّا هَؤُلاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ ، إِلَيْهِ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ ، وَأَمَّا هَؤُلاءِ فَيَعْلَمُونَ الْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ ، فَهُمْ أَفْضَلُ وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ثُمَّ جَلَسَ مَعَهُمْ. ( وهو حسن لغيره)
فهنا تكلَّم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - بحق المجلسين ، وبين الأفضل منهما .
وهكذا كثير من الأوامر والنواهي ، فمن حمل الأمر على الوجوب ، لا ينافي من حمله على الاستحباب، ومن حمل النهي على التحريم لا ينافي من حمله على الكراهة ، ولاسيما إذا لم يكن ثمة دليل قويٌّ يرجِّح أحد الاحتمالين.
مثال على الأمر:
ففي صحيح مسلم (4063 ) عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ. [1] وهناك أحاديث كثيرة متعارضة في هذا الموضوع
فقد اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الثَّمَرَة إِذَا بِيعَتْ بَعْد بُدُوّ الصَّلَاح ، وَسَلَّمَهَا الْبَائِع إِلَى الْمُشْتَرِي بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنه وَبَيْنهَا ، ثُمَّ تَلِفَتْ قَبْل أَوَان الْجُذَاذ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّة ، هَلْ تَكُون مِنْ ضَمَان الْبَائِع أَوْ الْمُشْتَرِي ؟
فَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي أَصَحّ قَوْلَيْهِ ، وَأَبُو حَنِيفَة وَاللَّيْث بْن سَعْد وَآخَرُونَ: هِيَ فِي ضَمَان الْمُشْتَرِي ، وَلَا يَجِب وَضْع الْجَائِحَة ، لَكِنْ يُسْتَحَبّ .أي أنهم حملوا الأمر على الاستحباب .
وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم وَطَائِفَة: هِيَ فِي ضَمَان الْبَائِع ، وَيَجِب وَضْع الْجَائِحَة ، واحتجوا بما في صحيح مسلم (4062 ) عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: « إِنْ لَمْ يُثْمِرْهَا اللَّهُ فَبِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ ؟» .
(1) - الجوائح: جمع الجائحة وهى الآفة التى تهلك الثمار والأموال