فهرس الكتاب

الصفحة 247 من 354

يَصِفُ طَرِيقًا تَرَكَ سُلُوكَهُ ، حَتَّى اشْتَبَهَ ، وَصَارَ مَا ارْتَفَعَ مِنْهُ وَانْخَفَضَ شَيْئًا وَاحِدًا , فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -:"الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ"أَيْ: مَتْرُوكَةٌ يَجِبُ تَرْكُهَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْهَا لِلَّهِ ، وَهُوَ مَا كَانَ عَدْوُهُ لِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَعَوْنًا عَلَى إِقَامَةِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ:"مَتْرُوكٌ"أَيْ: هِيَ مَتْرُوكُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالْأَفَاضِلِ مِنَ النَّاسِ ، فَإِنَّهُمْ تَرَكُوهَا ، وَرَفَضُوهَا ، وَأَعْرَضُوا عَنْهَا" [1] "

ويقول العلامة محمد قطب حفظه الله:

"ولا شك أنه ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ذم للدنيا أو لعن لها."

ولكن مراجعة السياق الذى ورد فيه مثل هذا الذم تكشف لنا بوضوح أن الدنيا تذم أو تلعن في مجالين اثنين ، حين تصدُّ الإنسانَ عن الإيمان بالله وتدفعه إلى الكفر به ، أو تصدُّه عن الجهاد في سبيل الله: { مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) } [سورة النحل 16/106-107] { قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24) } [سورة التوبة 9/24]

أما في غير هذين المجالين فليست الدنيا مذمومة ولا ملعونة ، ما دامت لا تصدُّ عن الإيمان بالله أو الجهاد في سبيل الله.

{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [سورة الأعراف 7/32]

{ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا} [سورة القصص 28/77]

(1) - بَحْرُ الْفَوَائِدِ الْمُسَمَّى بِمَعَانِي الْأَخْيَارِ لِلْكَلَابَاذِيِّ (135 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت