فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 354

صحيح أن التعلق بالدنيا يؤدي إلى معصية الله. وهذا هو المعنى الذى ركز عليه بعض الزهاد الوعاظ أشد التركيز ، وجعلوا الدنيا ملعونة من أجله ، ولكن قتل النفس من جهة أخرى مخافة الوقوع في المعصية يوقع في معصية من نوع آخر ، هي القعودُ عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وعن مجالدة الباطل والعمل على إزهاقه ، وعن عمارة الأرض بمقتضى منهج الله.

وحين يعمل الإنسانُ في هذا الحقل ، وهو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والجهادُ لتكون كلمةُ الله هي العليا ، وعمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني ، ثم تقع منه الأخطاء والمعاصي غير متعمد لها ولا متبجح بها ، ثم يستغفر الله عنها ويجاهد لكي لا يقع فيها ، فذلك هو الذي قال الله فيه: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136) } [سورة آل 3/135-136]

وقال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"والذى نفسى بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله لهم!".

وحين تجلس ساكنًا وتحمل فوق رأسك سلة مملوءة بالأشياء فلا يقع منها شيء ، فقد حافظت على ما في السلَّة بالفعل ، ولكنك في سبيل المحافظة عليها تعطلت عن الحركة المطلوبة منك وليست هذه هي البراعة إنما البراعة أن تتحرك وأنت تحملُ السلَّة على رأسك وتحاول جاهدا ألا يسقط منها شيء. فإن تساقط منها شيء أسرعت إلى إعادته في السلة وعاودت المسير.

ولمثل هذا خلق الله الإنسان. حمله الأمانة ثم أمره بالسير في مناكب الأرض وهو يحملُ الأمانة ، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويجاهد لكي يقوم الناس بالقسط ، ولكي تكون كلمة الله هي العليا ، ويعمر الأرض بمقتضى المنهج الرباني.. ثم كان من رحمته سبحانه وتعالى وهو يعلم ضعف الإنسان أنه يغفر ما يقع في أثناء ذلك من الذنوب ما دام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت