وَفِيهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ: أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ الْيَمَنِ فَقَالَ: « هَلْ لَكَ أَحَدٌ بِالْيَمَنِ » . قَالَ: أَبَوَاىَ. قَالَ: « أَذِنَا لَكَ » . قَالَ: لاَ. قَالَ: « ارْجِعْ إِلَيْهِمَا فَاسْتَأْذِنْهُمَا فَإِنْ أَذِنَا لَكَ فَجَاهِدْ وَإِلاَّ فَبِرَّهُمَا » . [1] .
هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنِ النَّفِيرُ عَامًّا . وَإِلاَّ أَصْبَحَ خُرُوجُهُ فَرْضَ عَيْنٍ ؛ إِذْ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْجَمِيعِ الدَّفْعُ وَالْخُرُوجُ لِلْعَدُوِّ . [2]
وَإِذَا كَانَ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضَ عَيْنٍ ، فَإِنَّ خِلاَفَهُ يَكُونُ حَرَامًا ، مَا لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرٍ بِشِرْكٍ أَوِ ارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ ، حَيْثُ لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ [3] .
الْبِرُّ بِالْوَالِدَيْنِ مَعَ اخْتِلاَفِ الدِّينِ:
الْبِرُّ بِالْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ ، وَلاَ يَخْتَصُّ بِكَوْنِهِمَا مُسْلِمَيْنِ ، بَل حَتَّى لَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ يَجِبُ بِرُّهُمَا وَالإِْحْسَانُ إِلَيْهِمَا مَا لَمْ يَأْمُرَا ابْنَهُمَا بِشِرْكٍ أَوِ ارْتِكَابِ مَعْصِيَةٍ . قَال تَعَالَى: { لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ } (سورة الممتحنة / 8 )
فَعَلَيْهِ أَنْ يَقُول لَهُمَا قَوْلًا لَيِّنًا لَطِيفًا دَالًّا عَلَى الرِّفْقِ بِهِمَا وَالْمَحَبَّةِ لَهُمَا ، وَيَجْتَنِبَ غَلِيظَ الْقَوْل الْمُوجِبَ لِنُفْرَتِهِمَا ، وَيُنَادِيَهُمَا بِأَحَبِّ الأَْلْفَاظِ إِلَيْهِمَا ، وَلْيَقُل لَهُمَا مَا يَنْفَعُهُمَا فِي أَمْرِ دِينِهِمَا وَدُنْيَاهُمَا ، وَلاَ يَتَبَرَّمُ بِهِمَا بِالضَّجَرِ وَالْمَلَل وَالتَّأَفُّفِ ، وَلاَ يَنْهَرُهُمَا ، وَلْيَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ - رضى الله عنهما - قَالَتْ قَدِمَتْ عَلَىَّ أُمِّى وَهْىَ مُشْرِكَةٌ ، فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قُلْتُ { إِنَّ أُمِّى قَدِمَتْ } وَهْىَ رَاغِبَةٌ ، أَفَأَصِلُ أُمِّى قَالَ « نَعَمْ صِلِى أُمَّكِ » [4]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهَا قَالَتْ: أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَأَصِلُهَا ؟ قَال: نَعَمْ قَال ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَأَنْزَل اللَّهُ عَزَّ وَجَل فِيهَا لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ
(1) - سنن أبي داود - المكنز - (2532 ) صحيح لغيره
(2) - فتح القدير على الهداية 5 / 149 ، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10 / 240 .
(3) - ابن عابدين 3 / 220 ، والشرح الصغير 4 / 739 ـ 741 ، والفروق للقرافي 1 / 145 .
(4) - صحيح البخارى- المكنز - (2620 ) وصحيح مسلم- المكنز - (2372 )