فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 354

و ج.أ. مور... وهي الفكرة التي تقوم عليها الحضارة الغربية اليوم، وجعلت حياة الإنسان الغربي قائمة على التملك، وجعلته يشعر -كما يقول إريك فروم- بأنه خصم للآخرين جميعا، للزبائن الذين يريد أن يخدعهم، وللمنافسين الذين يريد أن يقضي عليهم، وللعمال الذين يريد أن يستغلهم، وللأغنياء الذين يحسدهم لأنهم يملكون أكثر، وللفقراء الذين يخاف منهم.. وكما تقول الدكتورة هبة رؤوف عزت: فكما يبحث الإنسان بشكل عقلاني عن تعظيم منفعته في التبادلات الاقتصادية، كذلك يسعى إلى الوصول إلى"نقطة التوازن"بين منفعته ومنفعة الآخرين في علاقاته الاجتماعية والسياسية، وهو يحترم بذلك حقوق الآخرين كي يضمن احترامهم لحقوقه في ظل مجموعة توازنات واقعية، وقانون وضعي ينظم هذه الحقوق المتبادلة.

إن ما تضمنته المواثيق الدولية لحقوق الإنسان من نصوص لحماية الحريات والممتلكات، وضمان الحاجات المعيشية الأساسية وظروف العيش الكريم، ومنع الإساءة والتعذيب والاستعباد... كلها حقوق مجمع على ضرورة حمايتها والدفاع عنها، ولكن الاقتصار عليها والانغلاق في دائرتها هو تجريد للإنسان من بعده الروحي، مما يجعل هذه الحقوق لا تختلف كثيرًا وجوهريًا عن حقوق الحيوان كما تضمنها الإسلام في نصوصه وقواعده؛ فالاهتمام بحقوق الإنسان يجب أن ينبع من كونه إنسانًا، وليس لأنه كائن من الكائنات وإلا اشتركت معه في هذه الحقوق وبنفس القوة والدرجة الحيوانات والنباتات.

وهذا الخلل الكبير في ثقافة حقوق الإنسان الغربية ناتج عن كونها تستند إلى فلسفة مادية دهرية لا تؤمن باليوم الآخر، (وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ) الجاثية 24، فلسفة تجعل للإنسان حقوقا باعتباره مخلوقا مبلغ همه تحقيق رفاهيته في الدنيا والاستمتاع بشهواتها ولذاتها الفانية، وتعتقد أن الإنسان يستطيع أن يستغني عن خالقه في تحصيل سعادته وتنظيم حياته، وبالتالي فهي لا تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الروحية للإنسان.. فلسفة تهبط بالإنسان إلى مرتبة الحيوان كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ) محمد 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت