فهرس الكتاب

الصفحة 334 من 354

كما أن هذه الثقافة الحقوقية الغربية تقوم على مبدأ النسبية الذي يعتبر القيم والأخلاق غير ثابتة، وأن المجتمع هو الذي يحدد قيمه وأخلاقه تبعا لتطور أنساقه الاجتماعية وأنماط معيشته. وهذا ما يفسر اعتبار ممارسات لا أخلاقية كالشذوذ الجنسي حقا من حقوق الإنسان في الغرب. وهذا بطبيعة الحال يتعارض كليا مع الموقف الإسلامي الذي يؤمن بثبات القيم والأخلاق الصادرة عن رب العباد المتصف بالكمال والحكمة. وينسجم هذا المفهوم مع المعنى اللغوي للحق الذي يعني الثابت الذي لا يسوغ إنكاره.

أما الإسلام، وخلافا للرؤية الغربية فيرى أن المدخل الصحيح لحماية حقوق الإنسان وتحقيق سعادته وصون كرامته يتمثل في إيقاف تأله البشر بعضهم على بعض، وعدم القبول بأن يكون الإنسان المخلوق مصدرًا لوضع القيم للآخرين المخلوقين مثله، حتى لا تتحول لتصبح جسرًا لتسلط الأقوياء على الضعفاء.

كما أن استناد هذه الحقوق إلى خالق الإنسان وحده يعطيها قدسية في النفوس تحميها من العبث وترفع الالتزام بها إلى مقام العبادة والواجب المثاب على فعله والمعاقب على تركه.

فالحق الشرعي للإنسان في الإسلام يستند إلى التكريم الإلهي، ويرتبط بمفاهيم الأمانة والاستخلاف والعبودية لله وعمارة الأرض، ولا ينفصل عن حقوق الله، وهو ما يجعله غير قابل للإسقاط بعقد أو صلح أو إبراء، فحقوق الإنسان الشرعية هي ضرورات إنسانية توجب الشريعة الحفاظ عليها من قبل الدولة والجماعة والفرد، فإذا قصَّرت الدولة وجب على الأمة أفرادًا وجماعات تحملها؛ لذا كان مدخل"الواجب الشرعي"في الرؤية الإسلامية هو المدخل الأصح لفهم نظرة الإسلام للإنسان ومكانته وحقوقه.

إن مفهوم حقوق الإنسان في الإسلام يتميز عن المفهوم الغربي لهذه الحقوق بالأسبقية والإلزامية والشمولية. فالإسلام كان له السبق على كافة المواثيق والإعلانات والاتفاقيات الدولية في تناوله وتأصيله لحقوق الإنسان منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان من خلال كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ،وهذه الحقوق كما جاء بها الإسلام هي حقوق أصيلة ملزمة شرعها الخالق سبحانه وتعالى لا تقبل حذفًا ولا تعديلًا ولا نسخًا ولا تعطيلًا، وليس من حق أحد أن يعطلها أو يعتدي عليها، أما الإعلان العالمي لحقوق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت