فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 354

قَوْلهمْ: ( قَالَ رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: أَوْلَى وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَقَدْ عُرِضْت عَلَيَّ الْجَنَّة وَالنَّار آنِفًا فِي عُرْض هَذَا الْحَائِط )

أَمَّا لَفْظَة ( أَوْلَى ) فَهِيَ تَهْدِيد وَوَعِيد ، وَقِيلَ: كَلِمَة تَلَهُّف ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَعْمِلهَا مَنْ نَجَا مِنْ أَمْر عَظِيم . وَالصَّحِيح الْمَشْهُور أَنَّهَا لِلتَّهْدِيدِ ، وَمَعْنَاهَا قَرُبَ مِنْكُمْ مَا تَكْرَهُونَهُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: { أَوْلَى لَك فَأَوْلَى } أَيْ قَارَبَك مَا تَكْرَهُ فَاحْذَرْهُ ، مَأْخُوذ مِنْ الْوَلِيّ ، وَهُوَ الْقُرْب . وَأَمَّا ( آنِفًا ) فَمَعْنَاهُ قَرِيبًا السَّاعَة ، وَالْمَشْهُور فِيهِ الْمَدّ ، وَيُقَالُ بِالْقَصْرِ ، وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْع ، الْأَكْثَرُونَ بِالْمَدِّ . وَ ( عُرْض الْحَائِط ) بِضَمِّ الْعَيْن جَانِبه .

قَوْله: ( أَنَّ أُمّ عَبْد اللَّه بْن حُذَافَة قَالَتْ لَهُ: أَأَمِنْت أَنْ تَكُونَ أُمّك قَدْ قَارَفَتْ بَعْض مَا يُقَارِفُ نِسَاء الْجَاهِلِيَّة فَتَفْضَحهَا عَلَى أَعْيُن النَّاس ؟ فَقَالَ اِبْنهَا: وَاَللَّه لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَد لَلَحِقْته )

.أَمَّا قَوْلهَا: ( قَارَفَتْ ) مَعْنَاهُ عَمِلَتْ سُوءًا ، وَالْمُرَاد الزِّنَا ، وَالْجَاهِلِيَّة هُمْ مِنْ قِبَل النُّبُوَّة ، سُمُّوا بِهِ لِكَثْرَةِ جَهَالَاتهمْ . وَكَانَ سَبَب سُؤَاله أَنَّ بَعْض النَّاس كَانَ يَطْعَن فِي نَسَبه عَلَى عَادَة الْجَاهِلِيَّة مِنْ الطَّعْن فِي الْأَنْسَاب ، وَقَدْ بُيِّنَ هَذَا فِي الْحَدِيث الْآخَر بِقَوْلِهِ: ( كَانَ يُلَاحَى ، فَيُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ ) ، وَالْمُلَاحَاة الْمُخَاصَمَة وَالسِّبَاب . وَقَوْلهَا: ( فَتَفْضَحهَا ) مَعْنَاهُ لَوْ كُنْت مِنْ زِنَا فَنَفَاك عَنْ أَبِيك حُذَافَة فَضَحْتنِي ، وَأَمَّا قَوْله: ( لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ لَلَحِقْته ) فَقَدْ يُقَالُ: هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ ، لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَثْبُتُ بِهِ النَّسَب . وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا أَنَّ اِبْن حُذَافَة مَا كَانَ بَلَغَهُ هَذَا الْحُكْم ، وَكَانَ يَظُنُّ أَنَّ وَلَد الزِّنَا يَلْحَق الزَّانِي ، وَقَدْ خَفِيَ هَذَا عَلَى أَكْبَرَ مِنْهُ ، وَهُوَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص حِين خَاصَمَ فِي اِبْن وَلِيدَة زَمْعَة ، فَظَنَّ أَنَّهُ يَلْحَق أَخَاهُ بِالزِّنَا . وَالثَّانِي أَنَّهُ يُتَصَوَّر الْإِلْحَاق بَعْد وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ ، فَيَثْبُتُ النَّسَب مِنْهُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . [1]

وقال الحافظ في الفتح:

"قَوْله ( فَقَامَ رَجُل فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه مَنْ أَبِي ) بَيَّنَ فِي حَدِيث أَنَس مِنْ رِوَايَة الزُّهْرِيِّ اِسْمه ، وَفِي رِوَايَة قَتَادَةَ سَبَب سُؤَاله ، قَالَ: فَقَامَ رَجُل كَانَ إِذَا لَاحَى - أَيْ خَاصَمَ -"

(1) - شرح النووي على مسلم - (8 / 81)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت