الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ] الحشر:6 - 10 [)
ذكر الله تعالى أولًا المال المأخوذ من بني النضير فجعله للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، فقال: {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ} يعني: وما أرجع الله على رسوله من بني النضير من الأموال، والرجوع إنما يكون بعد ذهاب الشيء منك ثم رجوعه إليك، وقد سُمي الفيء فيئًا، لأن هذه الأموال في الأصل لا يستحق الكفار امتلاكها، لأن الله تعالى خلق الخلق لعبادته، ومنهم الكفار، وأعطاهم هذه الأموال ليستعينوا بها على عبادته، فما لم يستعينوا بها على عبادته، فقد صرفوها في غير مصرفها، فلهذا لم يستحقوها في حكم الله - عز وجل -، فعندما يأخذها المسلمون، فقد أرجعوا هذه الأموال لما خُلقت له، وهو الاستعانة بها على عبادة الله - عز وجل -، فمن هنا أُخذ هذا المعنى. {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} يعني هو للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس لكم أيها الصحابة، فإنكم لم تحرِّكوا في تحصيله خيلًا ولا ركابًا، أي لم تقاتلوا في سبيل تحصيله، وإنما الله - عز وجل - فتح به على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فلذلك كان له، فكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يأخذ من مال بني النضير نفقته، ونفقة أهله سنة، ثم يُصرف ما بقي في الكُرَاع والسلاح [1] يعني في أمور وشئون الجهاد. {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} كما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» [2] ، فهؤلاء عندما قذف الله في قلوبهم الرعب أسلموا أنفسهم للرسول - صلى الله عليه وسلم - وأسلموا أموالهم. ثم ذكر تعالى بعد ذلك حكم الفيء عامًا، وليس بخصوص مال بني النضير، فقال: مَا
(1) . من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: البخاري (2748) ، ومسلم (1757) ، وابن حبان (6357) ، والترمذي (1719) ، وأبو داود (2965) ، والنسائي (4140) ، وأحمد (171) . والكراع: الخيل.
(2) . من حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه: البخاري (328) ، ومسلم (521) ، وابن حبان (6398) والنسائي (432) .