(وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ) وهذا الجهاد بالمال والنفس هو على سبيل الوجوب، ولكن ليس الإمام هو الذي يأخذه بالقوة، مع أن العلماء ذكروا صورة -وهذه كفتوى وليست كحكم عام منسحب على جميع حالات المسلمين- وهو إذا خلا بيتُ المال من المال الكافي للجُند، فهل على الإمام أن يفرض على أغنياء المسلمين شيئًا من الأموال حتى تقع الكفاية في الجهاد؟ هذه من المسائل التي ذكرها بعض الفقهاء كالشاطبي في كتابه الاعتصام [1] ، وذكرها أيضا الغزالي في كتابه المستصفى [2] ، وكذلك إمام الحرمين في كتابه غياث الأمم [3] ، وجوَّزوا ذلك بشروط ذكروها طويلة.
(1) . قال الشاطبي: (أنَّا إذا قررنا إمامًا مطاعًا مفتقِرًا إلى تكثير الجنود لسد الثغور، وحماية المُلك المتسع الأقطار، وخلا بيتُ المال، وأرهقت حاجات الجند إلى ما يكفيهم، فللإمام -إذا كان عدلًا- أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال، إلى أن يظهر مال في بيت المال، ثم إليه النظر في توظيف ذلك على الغلات والثمار وغير ذلك، كي لا يؤدي تخصيص النَّاس به إلى إيحاش القلوب، وذلك يقع قليلًا من كثير، بحيث لا يجحف بأحد، ويحصل المقصود. وإنما لم يُنقل مثل هذا عن الأولين لاتساع بيت المال في زمانهم، بخلاف زماننا، فإن القضية فيه أحرى، ووجه المصلحة هنا ظاهر، فإنه لو لم يفعل الإمام ذلك لانحلَّ النظام، وبطلت شوكة الإمام، وصارت ديارنا عرضة لاستيلاء الكفار، وإنما نظام ذلك كله شوكة الإمام بعدتِّه، فالذي يحذر الدواهي لو انقطعت عنهم الشوكة، يُستحقر بالإضافة إليها أموالهم كلها، فضلًا عن اليسير، فإذا عورض هذا الضرر العظيم بالضرر اللاحق لهم بأخذ البعض من أموالهم، فلا يتمارى في ترجيح الثاني عن الأول، وهو مما يُعلم من مقصود الشرع قبل النظر في الشواهد والملاءمة) الاعتصام (3\ 25 - 27)
(2) (مسألة: توظيف الخراج من المصالح، فهل إليه سبيل أم لا؟ فإن قيل: فتوظيف الخراج من المصالح فهل إليه سبيل أم لا قلنا لا سبيل إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود أما إذا خلت الأيدي من الأموال، ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام، أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامنة في بلاد الإسلام، فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند، ثم إن رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج، لأنا نعلم أنه إذا تعارض شران أو ضرران قصد الشرع دفع أشد الضررين وأعظم الشرين، وما يؤديه كل واحد منهم قليل بالإضافة إلى ما يخاطر به من نفسه وماله لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة يحفظ نظام الأمور ويقطع مادة الشرور.) (المستصفى للغزالي 2\ 495 - 496)
(3) . يُنظر غياث الأمم للجويني (1\ 190 - 210) ومن قوله: (فأما القسم الثالث؛ وهو أن لا يخاف من الكفار هجومًا لا خصوصا في بعض الأقطار ولا عمومًا، ولكن الانتهاض إلى الغزوات والانتداب للجهاد في البلاد، يقتضي مزيد عتاد واستعداد، فهل يكلف الإمام المثرين والموسرين أن يبذلوا ما يستعدون به؟ هذا موقع النظر ومجال الفكر، ذهب ذاهبون إلى أنه لا يكلفهم ذلك، بل يرتقب في توجيه العساكر ما يحصل من الأموال، والذي اختاره قاطعًا به أن الأمام يكلف الأغنياء بذل فضلات الأموال ما يحصل به الكفاية والغناء، فإن إقامة الجهاد فرض على العباد، فتوجيه الأجناد على أقصى الإمكان والاجتهاد في البلاد، محتوم لا تساهل فيه، وما أقرب تقاعدنا عنهم إلى سيرهم إلينا، واستجرائهم علينا، وإذا كنا لا نسوغ تعطيل شيء من فروض الكفايات، فأحرى فنونها بالمراعاة الغزوات. والأمور في الولايات إذا لم تؤخذ من مباديها، جرت أمورًا يعسر تداركها عند تماديها، وقد أجرينا فيما تقدم أن الدنيا تبع الدين، وأن صاحبنا بعث لتأسيس الدين، وتأدية الرسالة والإبلاغ، والاكتفاء من هذه الدنيا ببلاغ، فمن عظائم الأمور ترك الأجناد، وتعطيل الجهاد، وانحصار العساكر في الثغور)