(وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَمْوَالِ الْمَقْبُوضَةِ وَالْمَقْسُومَةِ، دِيوَانٌ جَامِعٌ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَبِي بَكْرٍ - رضي الله عنه -، بَلْ كَانَ يَقْسِمُ الْمَالَ شَيْئًا فَشَيْئًا) أي لم يكن هناك دفتر تسجل فيه الأموال الداخلة والأموال الخارجة، وإنما تأتي الأموال إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فيقسمها في مجلسه، فيعطي هذا وهذا بالتدرج من غير أن يكون له ديوان مسجل، لأن عدد المسلمين كان قليلًا. (فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - كَثُرَ الْمَالُ) بسبب الفتوحات (وَاتَّسَعَتْ الْبِلَادُ، وَكَثُرَ النَّاسُ فَجَعَلَ دِيوَانَ الْعَطَاءِ لِلْمُقَاتِلَةِ وَغَيْرِهِمْ) أي جعل ديوانًا خاصًا بالنَّاس الذين يخرجون للجهاد، لأنهم أهم من ينبغي أن يصرف عليهم، لأن مصدر المال هو عن طريقهم (وَدِيوَانُ الْجَيْشِ -فِي هَذَا الزَّمَانِ- مُشْتَمِلٌ عَلَى أَكْثَرِهِ، وَذَلِكَ الدِّيوَانُ هُوَ أَهَمُّ دَوَاوِينِ الْمُسْلِمِينَ.) في زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لم يكن هناك جيش محدد، وإنما أكثرهم يقاتلون تطوُّعًا، وأما في زمن شيخ الإسلام فكان هناك يسمونهم ديوان المقاتلة والمتطوعة، ولذلك يسمونهم بالمُرتَزِقة -وليس المعنى المذموم عندنا، وإنما هم الذين لهم رزق من بيت المال [1] - فهؤلاء كانوا هم الجنود المخصصون من قبل الدولة للجهاد، فهؤلاء تُسجل أسماؤهم في الديوان لتصرف لهم العطايا بعد ذلك.
(وَكَانَ لِلْأَمْصَارِ دَوَاوِينُ الْخَرَاجِ وَالْفَيْءِ وَمَا يُقْبَضُ مِنَ الْأَمْوَالِ) وهذا من أهم الأمور التي ينبغي أن يُعتنى بها، وهي التي تُضبط بها مسألة الأموال، فلا بد أن
(1) . والمرتزقَة: أَصحابُ الجِراياتِ والرَّواتِبِ المُوَظَّفَة. (تاج العروس 25\ 342) ، وانظر: المصباح المنير (1\ 225) .