(وَكَذَلِكَ وَكِيلُ الْمَالِكِ مِنَ الْمُنَادِينَ وَالْكُتَّابِ وَغَيْرِهِمْ، الَّذِي تَوَكَّلَ لَهُمْ فِي الْعَقْدِ وَالْقَبْضِ، وَدَفَعَ مَا يَطْلُبُ مِنْهُمْ لَا يَتَوَكَّلُ لِلظَّالِمَيْنِ فِي الْأَخْذِ. كَذَلِكَ لَوْ وُضِعَتْ مَظْلَمَةٌ عَلَى أَهْلِ قَرْيَةٍ أَوْ دَرْبٍ أَوْ سُوقٍ أَوْ مَدِينَةٍ. فَتَوَسَّطَ رَجُلٌ مُحْسِنٌ فِي الدَّفْعِ عَنْهُمْ بِغَايَةِ الْإِمْكَانِ) أي وكذلك من صورها أن يضع الإمام الظالم ويفرض على أهل قرية أو مدينة مالًا يدفعونه، فيقول لهم: عليكم أن تدفعوا لي في كل سنة مبلغًا معينًا، ثم يأتي شخص ويحاول أن يسقط هذه الضريبة، فإذا استطاع فذاك هو، وإن لم يستطع وخفّفها عنهم، فهذا محسن في فعله هذا، لأنه وكيل لأهل القرية والمدينة وليس وكيلًا للظالم، يعني كأنهم قالوا له: اذهب ودافع عنا عند الظالم، أو كلمه حتى يسقط عنا نصف المبلغ، فهذا نوع من أنواع التكليف.
(وَقَسَّطَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ) فهنا كذلك تخفيف، إما أن يقسط المبلغ عليهم جميعًا، أو أن يقسطها في الأخذ بمعنى أن يقول نأخذ من الغني كذا، ونأخذ من الفقير كذا، فكما قال شيخ الإسلام: العدل واجب، والعدل في الظلم واجب، فالظلم في داخل الظلم معصية فوق معصية، بمعنى أن الإمام إذا فرض ضريبة على أهل قرية فهذا ظلم، ولكن عليه هنا أن يعدل في ظلمه كأن يجعل المال المأخوذ بالنِسَب، فلا يجعل الأخذ من الغني كالأخذ من الفقير، فيعدل حتى في هذا الظلم، فإن لم يعدل فقد تراكمت عليه المعاصي والعياذ بالله (مِنْ غَيْرِ مُحَابَاةٍ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ، وَلَا ارْتِشَاءٍ، بَلْ تَوَكَّلَ لَهُمْ فِي الدَّفْعِ عَنْهُمْ وَالْإِعْطَاءِ، كَانَ مُحْسِنًا. لَكِنَّ الْغَالِبَ، أَنَّ مَنْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ يَكُونُ وَكِيلَ الظَّالِمِينَ مُحَابِيًا مُرْتَشِيًا مُخْفِرًا لِمَنْ يُرِيدُ، وَآخِذًا مِمَّنْ يُرِيدُ، وَهَذَا مِنْ أَكْبَرِ الظَّلَمَةِ،