في هذه الحالات ترى أنَّ المال أعطي إلى من لا يستحقه في الحقيقة يعني من غير مقابل، والمقابل الذي نطلبه منهم هو أوجبه الشرع عليه من غير أن يأخذ في بدله مالًا، فأخْذُه من حيث أصل الحكم لا يحل له، لكن الشرع أجازه له في الظاهر، ولهذا شيخ الإسلام أشار إلى هذا المعنى فقال: (وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الْعَطَاءِ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ إعْطَاءَ الرُّؤَسَاءِ، وَتَرْكَ الضُّعَفَاءِ، كَمَا يَفْعَلُ الْمُلُوكُ، فَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، فَإِذَا كَانَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ مَصْلَحَةَ الدِّينِ وَأَهْلِهِ، كَانَ مِنْ جِنْسِ عَطَاءِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَخُلَفَائِهِ، وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ الْعُلُوَّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادَ) يعني احتقار الضعفاء وحرمان هؤلاء"الطبقة الكادحة"ورفع الأشراف والسادة (كَانَ مِنْ جِنْسِ عَطَاءِ فِرْعَوْنَ) يعني عطاء الظالمين.
(وَإِنَّمَا يُنْكِرُهُ ذَوُو الدِّينِ الْفَاسِدِ) الذين لا يقدِّرون المصالح والمفاسد تقديرًا شرعيًّا صحيحًا، فيظنون أنَّ هذا من الظلم ومن المحاباة ومن ترك العدل (كَذِي الْخُوَيْصِرَةِ الَّذِي أَنْكَرَهُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، حَتَّى قَالَ فِيهِ مَا قَالَ) يؤخذ من هذا أنَّ الإنسان لا ينظر إلى الأمور بمجرد ظاهرها، وإنما عليه أن يعرف مقاصدها، وأن يراعي حال الشخص، فهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - من أبعد النَّاس عن الظلم -والعياذ بالله- وهو أعدل النَّاس وقد أمنه الله - سبحانه وتعالى - على وحيه، فالإنسان دائمًا يتثبت ويتحرى ويتبين قبل أن يبادر ويندفع إلى الإنكار حتى لا يقع في المحظور. وانظر إلى طريقة هذا -ذوي الخويصرة- وانظر إلى ما قال الأنصار، فالأنصار والمهاجرون قالوا: يعطي صناديد قريش ويمنعنا؟ أما هذا فقال له: اتق الله، يعني كأنه خالف أمر الله - عز وجل -، فهذا جرأة ووقاحة، فأما الأنصار فهم يشعرون أنَّ لهم حقًّا في هذا المال فهذا استفسار واستفصال لمعرفة مدرك هذا الأمر الغريب عليهم (وَكَذَا حِزْبُهُ