يُنصفك يعني لا يحكم عليك بالظلم، المقصود أن لا يعينه على تعطيل أداء الحقِّ ولا على ظلمه، وإنَّما عليه أن يعينه على ردِّ الحقوق، وأن يردَّه عن ظلمه (وَإِلَّا فَبِالْقُوَّةِ) يعني أن يستعين عليه لردِّ الظلم بأهل القوَّة ممن يمكنهم أن ينتصفوا للمظلوم، هذا إذا كان ظالمًا. (وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْا ظَالِمًا مَظْلُومًا) يعني قد يكون الإنسان ظالمًا من جهة، ومظلومًا من جهة أخرى، هذا كالقتال الذي يحصل بين القبائل، فهي مظلومة من جهة قتال القبيلة لها، وهي ظالمة من جهة قتالها لهذه القبيلة على غير وجه الحقِّ، وإنَّما عصبية وحميَّة جاهلية، فهذا يكون الإنسان من جهة مظلومًا ومن جهة ظالمًا (كَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ، مِنْ قَيْسٍ وَيَمَنٍ وَنَحْوِهِمْ وَأَكْثَرُ الْمُتَدَاعِينَ مِنْ أَهْلِ الْأَمْصَارِ وَالْبَوَادِي، أَوْ كَانَا جَمِيعًا غَيْرَ ظَالِمَيْنِ; لِشُبْهَةٍ أَوْ تَأْوِيلٍ، أَوْ غَلَطٍ وَقَعَ فِيمَا بَيْنَهُمَا) يعني قد يقع من هذا شيء على هذا ومن هذا شيء على هذا، إمَّا لتأويل وإمَّا لشبهة وإمَّا على غير وجه العمد، وإنما وقع خطأ وغلطًا (سَعَى بَيْنَهُمَا بِالْإِصْلَاحِ أَوْ الْحُكْمِ) يعني إذا كان بينهما تأويل أو شبهة أو غلط ففي هذه الحالة عليه أن يسعى للإصلاح بينهما، فإن لم يمكن الإصلاح فعليه أن يحكم بينهما بالعدل، واستدلَّ بقول الله - عز وجل - في هذه الآية {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ] الحجرات:9 [، وهذه الآية يستدلُّ بها العلماء على قتال البُغاة، وهم الذين خرجوا على الإمام بتأويل أو شبهة، هذا هو تعريف البغاة، يعني عندهم حجة اعتمدوا عليها رأوا أنَّه عليهم أن يسقطوا هذا الحاكم مع إسلامه ومع قيامه بأمر الدِّين، فهؤلاء أول شيء أوجبه الشَّرع هو السَّعي للإصلاح، ولذلك لا