يجوز للإمام أن يباشر قتالهم قبل أن يدعوهم وقبل أن ينظر ما هي شبهتهم التي تعلَّقوا بها؟ فإن كانت هناك مظلمة ادَّعوها ردَّها، وإن كانت عندهم شبهة تعلَّقوا بها أزالها، فإن أصرُّوا بعد ذلك استعان بالله وقاتلهم، ولهذا ترى أنَّ الآية ذكرت قتاليْن، قتال منهيٌّ عنه، وقتال مأمور به. (كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) هذا هو القتال المنهي عنه الذي حصل بينهما من غير سعي للصلح ابتداء (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) والإصلاح إمَّا بإيقاف القتال بينهما، يعني وقَعَ القتال فنسعى لإيقافه، أو لكفِّ وقوعه، يعني يوشك أن يقع القتال فيسعى المسلمون لإيقافه قبل أن يقع، ثم بعد ذلك (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى) أي بعد حصول المصالحة والإنصاف بغت إحدى الطَّائفتين على الطَّائفة الأخرى، والبغي قال العلماء إمَّا أن يكون بعد أن وقع الصلح نقضته إحداهما وأغارت على الأخرى وقاتلت الأخرى، فهذا النَّوع الأوَّل من البغي، والنَّوع الثَّاني هو أن تأبى إحداهما الإصلاح مع إمكانه ومع وجود الإنصاف لها، فتقول أنا ما أريد الإصلاح وتستمر في القتال، فهنا جاء الأمر بقتال هذه البَّاغية فقال الله - عز وجل: (فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) أي حتى ترجع إلى أمر الله تعالى (فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات:9 - 10] وَقَالَ تَعَالَى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:114] . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد فِي السُنَنِ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَمِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَنْصُرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ فِي الحَقِّ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ مِنَ