الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِالْمَعْرُوفِ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ، وَلَا يُمَكِنُ أَنَّهُمْ يَأْبَوْنَ كُلَّ الْإِبَاءِ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ قَوْمًا ارْتَدُّوا بِسَبَبِ هَذَا الْأَمْرِ حَتَّى يَصِحَّ قَوْلُهُ: فَذَهَبَتْ أَنْفُسُ الْمُؤْمِنِينَ حَسْرَةً عَلَيْهِمُ إِلَخْ. وَأَمَا ثَانِيًا فَقَوْلُهُ: وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ. لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِبَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مُطْلَقًا، بَلِ الْمَطْلُوبُ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَى الرَّسُولِ، وَيَتْرُكُوا تَقْلِيدَ آبَائِهِمْ فِي ضَلَالَتِهِمْ وَإِبَائِهِمْ، فَأَصَرُّوا عَلَى بُطْلَانِهِمْ، وَقَالُوا: حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا فَقَالَ تَعَالَى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] نَعَمْ وَرَدَ مَا يُنَاسِبُ بَيْنَ اقْتِرَانِ الْآيَتَيْنِ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَنَّهُ إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ ; لِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُسْلِمُ وَيَكْفُرُ أَبُوهُ، وَيُسْلِمُ الرَّجُلُ وَيَكْفُرُ أَخُوهُ، فَلَمَّا دَخَلَ قُلُوبَهُمْ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ دَعَوْا آبَاءَهُمْ وَإِخْوَانَهُمْ فَقَالُوا: حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [المائدة: 105] الْآيَةَ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْبَيْضَاوِيِّ، وَالْآيَةُ نَزَلَتْ لَمَّا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَتَحَسَّرُونَ عَلَى الْكَفَرَةِ وَيَتَمَنَّوْنَ إِيمَانَهُمْ، وَفِي تَفْسِيرِ الْمُعِينِ الصَّفْوِيِّ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ رُخْصَةٌ فِي تَرْكِ الْحِسْبَةِ إِذَا عُلِمَ عَدَمُ قَبُولِهَا، أَوْ فِيهَا مَفْسَدَةٌ، أَوْ إِضْرَارٌ لَهُ مِنْهَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ السِّلْفِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَيْهِ، أَوْ مَعْنَى إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِذَا