(اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلهَا) أَي: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي سَالِمًا مِن الْمَعَاصِي كَمَا هِيَ سَالِمَة، وَلَيْسَ الْمُرَاد مِثْلهَا فِي النِّسْبَة إِلَى بَاطِل تَكُون مِنْهُ بَرِيًّا. [1]
من فوائد الحديث:
1 -عِظَم بِرّ الْوَالِدَيْنِ وَإِجَابَة دُعَائِهِمَا وَلَوْ كَانَ الْوَلَد مَعْذُورًا؛ لَكِنْ يَخْتَلِف الْحَال فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ الْمَقَاصِد.
2 -َأَنَّهُ إِذَا تَعَارَضَت الْأُمُور بُدِئَ بِأَهَمِّهَا.، وأَنَّ الله يَجعَل لأَولِيائِهِ عِند ابتِلائِهِم مَخارِج، وإِنَّما يَتَأَخَّر ذَلِكَ عَن بَعضهم فِي بَعض الأَوقات تَهذِيبًا وزِيادَة لَهُم فِي الثَّواب.
3 -أن المفزع في الأمور المهمة إلى الله وحد دون ما سواه.
4 -وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَجْعَل لِأَوْلِيَائِهِ مَخَارِج عِنْد ابْتِلَائِهِمْ بِالشَّدَائِدِ غَالِبًا. قَالَ اللَّه تَعَالَى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّه يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا) وَقَدْ يَجْرِي عَلَيْهِم الشَّدَائِد بَعْض الْأَوْقَات زِيَادَة فِي أَحْوَالهمْ، وَتَهْذِيبًا لَهُمْ، فَيَكُون لُطْفًا، كما جرى للجارية.
5 -وَمِنْهَا اسْتِحْبَاب الْوُضُوء والصَّلَاةِ عِنْد الدُّعَاء بِالْمُهِمَّاتِ.
6 -وَمِنْهَا أَنَّ الْوُضُوء كَانَ مَعْرُوفًا فِي شَرْع مَنْ قَبْلنَا، وفِيهِ أَنَّ الوُضُوء لا يَختَصّ بِهَذِهِ الأُمَّة خِلافًا لِمَن زَعَمَ ذَلِكَ، وإِنَّما الَّذِي يَختَصّ بِها الغُرَّة والتَّحجِيل فِي الآخِرَة، وفي قِصَّة إِبراهِيم أَيضًا مِثل ذَلِكَ فِي خَبَر سارَة مَعَ الجَبّار والله أَعلَم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ، فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي، ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لَأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلاَمًا فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الغُلاَمَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلاَمُ؟ قَالَ: الرَّاعِي، قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لاَ، إِلَّا مِنْ طِينٍ" [2] .
7 -وَمِنْهَا إِثْبَات كَرَامَات الْأَوْلِيَاء،، ووُقُوع الكَرامَة لَهُم بِاختِيارِهِم وطَلَبهم. وَهُوَ مَذْهَب أَهْل السُّنَّة خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ. وقالَ ابن بَطّال: يُحتَمَل أَن يَكُون جُرَيجٌ كانَ نَبِيًّا فَتَكُون مُعجِزَة. كَذا قالَ، وهَذا الاحتِمال لا يَتَأَتَّى فِي حَقّ المَرأَة الَّتِي كَلَّمَها ولَدها المُرضَع كَما فِي بَقِيَّة الحَدِيث.
(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (6/ 480) وعمدة القاري شرح صحيح البخاري (7/ 282)
(2) - صحيح البخاري (3/ 137) (2482)