8 -وَفِيهِ أَنَّ الْكَرَامَات قَدْ تَكُون بِخَوَارِق الْعَادَات عَلَى جَمِيع أَنْوَاعهَ، وَمَنَعَهُ بَعْضهمْ، وَادَّعَى أَنَّهَا تَخْتَصّ بِمِثْلِ إِجَابَة دُعَاء وَنَحْوه، وَهَذَا غَلَط مِنْ قَائِله، وَإِنْكَار لِلْحِسِّ، بَل الصَّوَاب جَرَيَانهَا بما هو أوسع من ذلك. [1]
9 -وفيه أن البشر طبعوا على إيثار الأولاد على الأنفس بالخير لطلب المرأة الخير لابنها ودفع الشر عنه ولم تذكر نفسها. [2]
10 -أَنَّ نُفُوس أَهْل الدُّنْيَا تَقِف مَعَ الْخَيَال الظَّاهِر فَتَخَاف سُوء الْحَال، بِخِلَافِ أَهْل الإيمانِ الصادِقِ فَوُقُوفهمْ مَعَ الْحَقِيقَة الْبَاطِنَة فَلَا يُبَالُونَ بِذَلِكَ مَعَ حُسْن السَّرِيرَة، كَمَا قَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَنْ أَصْحَاب قَارُون حَيْثُ خَرَجَ عَلَيْهِمْ: {قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80) } [القصص: 79، 80] .
11 -تَأَكُّد حَقّ الْأُمّ، وَأَنَّ دُعَاءَهَا مُجَاب.
12 -إِيثَار إِجَابَة الْأُمّ عَلَى صَلَاة التَّطَوُّع؛ لِأَنَّ الِاسْتِمْرَار فِيهَا نَافِلَة وَإِجَابَة الْأُمّ وَبِرّهَا وَاجِب.
13 -الرِّفْق بِالتَّابِعِ إِذَا جَرَى مِنْهُ مَا يَقْتَضِي التَّأْدِيب؛ لِأَنَّ أُمّ جُرَيْجٍ مَعَ غَضَبهَا مِنْهُ لَمْ تَدْعُ عَلَيْهِ إِلَّا بِمَا دَعَتْ بِهِ خَاصَّة، وَلَوْلَا طَلَبهَا الرِّفْق بِهِ لَدَعَتْ عَلَيْهِ بِوُقُوعِ الْفَاحِشَة أَوْ الْقَتْل.
14 -صَاحِب الصِّدْق مَعَ اللهِ لَا تَضُرّهُ الْفِتَن.
15 -قُوَّة يَقِين جُرَيْجٍ وَصِحَّة رَجَائِهِ، لِأَنَّهُ اِسْتَنْطَقَ الْمَوْلُود مَعَ كَوْن الْعَادَة أَنَّهُ لَا يَنْطِق؛ وَلَوْلَا صِحَّة رَجَائِهِ بِنُطْقِهِ مَا اِسْتَنْطَقَهُ.
16 -جَوَاز الْأَخْذ بِالْأَشَدِّ فِي الْعِبَادَة لِمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسه قُوَّة عَلَى ذَلِكَ.
17 -الْمَفْزَع فِي الْأُمُور الْمُهِمَّة إِلَى اللهِ يَكُون بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ فِي الصَّلَاة.
18 -وفِي الحَدِيث إِيثار إِجابَة الأُمّ عَلَى صَلاة التَّطَوُّع لأَنَّ الاستِمرار فِيها نافِلَة وإِجابَة الأُمّ وبِرّها واجِب. قالَ النَّووِيّ وغَيره: إِنَّما دَعَت عَلَيهِ فَأُجِيبَت لأَنَّهُ كانَ يُمكِنهُ أَن يُخَفِّف ويُجِيبها، لَكِن لَعَلَّهُ خَشِيَ أَن تَدعُوهُ إِلَى مُفارَقَة صَومَعَته والعَود إِلَى الدُّنيا وتَعَلُّقاتها. كَذا قالَ النَّووِيّ، وفِيهِ نَظَر لِما تَقَدَّمَ مِن أَنَّها كانَت تَأتِيه فَيُكَلِّمها، والظّاهِر أَنَّها كانَت تَشتاق إِلَيهِ فَتَزُورهُ وتَقتَنِع بِرُؤيَتِهِ وتَكلِيمه، وكَأَنَّهُ إِنَّما لَم يُخَفِّف ثُمَّ يُجِيبها لأَنَّهُ خَشِيَ أَن يَنقَطِع خُشُوعه. فعن يَزِيدَ بْنِ حَوْشَبٍ الْفِهْرِيِّ، عَنِ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"لَوْ كَانَ جُرَيْجٌ الرَّاهِبُ فَقِيهًا عَالِمًا لَعَلِمَ أَنَّ إِجَابَتَهُ أُمَّهُ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ"
(1) - شرح صحيح مسلم (12/ 18)
(2) - فتح الباري (6/ 484)