وَتَنَزُّهًا، وَكِلَاهُمَا غَيْرُ حَرَامٍ أَكْلُهُ، وَلَا حَرِجٍ طَاعِمُهُ؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَلِفٌ، بِأَنَّ مُرِيقَ مَا وَصَفْنَا - مِنَ الْقُدُورِ الَّتِي قَدْ مَاتَتْ فِيهَا الدَّوَابُّ الَّتِي ذَكَرْنَا - أَرَاقَ مَا عِلَّتُهُ إِرَاقَتُهُ فَرْضًا؛ لِتَنَجُّسِهِ بِمَوْتِ مَا مَاتَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَّ مُرِيقَ الْقِدْرِ الْمَطْبُوخِ فِيهَا لُحُومُ الضِّبَابِ، أَرَاقَ مَا هُوَ حَلَالٌ أَكْلُهُ عِنْدَكُمْ غَيْرُ حَرَامٍ، خَالَفَ فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ وَكُلِّفَ تَثْبِيتَ مَا مَاتَ فِيهِ مِنَ الدَّوَابِّ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ. وَفِي عِزَّةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، صِحَّةُ الْقَوْلِ بِأَنَّ مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَطْعُومِ مَا لِصَاحِبِهِ إِلْقَاؤُهُ وَطَرْحُهُ، وَتَرْكُ أَكْلِهِ تَقَذُّرًا وَتَنَزُّهًا، وَهُوَ بِأَكْلِهِ - لَوْ أَكَلَهُ - غَيْرُ آثِمٍ، وَلَا طَاعِمٍ حَرَامًا. وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ؛ صَحَّ أَنَّ مِنْ ذَلِكَ لُحُومَ الضِّبَابِ الَّتِي وَصَفْنَا، وَثَبَتَتْ صِحَّةُ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ آكِلَهَا إِنْ أَكَلَ، لَمْ يَأْكُلْ بِأَكْلِهَا حَرَامًا، وَإِنْ أَلْقَاهَا وَنَبَذَهَا، لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ مُضِيعًا مَالًا، لَا مُفْسِدًا طَعَامًا، وَلَا لَازِمُهُ بِذَلِكَ لَوْمٌ وَلَا إِثْمٌ فِيهِ. وَفِي صِحَّةِ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ صِحَّةُ مَعْنَى الْأَخْبَارِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي لُحُومِ الضِّبَابِ كُلِّهَا، وَذَلِكَ أَنَّ فِيَ أَمْرِهِ مَنْ أَمَرَ بِأَكْلِ ذَلِكَ، إِعْلَامًا مِنْهُ أُمَّتَهُ أَنَّهُ حَلَالٌ غَيْرُ حَرَامٍ. وَفِي تَرْكِهِ أَكْلَهُ وَنَهْيِهِ مَنْ نَهَى عَنْ أَكْلِهِ، إِعْلَامُهُمْ كَرَاهَتَهُ أَكْلَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لَا آمُرُ بِهِ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ» إِخْبَارٌ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَنْدُبُ إِلَى اسْتِعْمَالِهِمْ إِيَّاهُ فِي مَطَاعِمِهِمِ اسْتِعْمَالَ الطَّيِّبِ مِنْ بَهَائِمِ الْأَنْعَامِ مِنَ الثَّمَانِيَةِ الْأَزْوَاجِ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى تَحْلِيلَهَا فِي كِتَابِهِ، وَسَائِرِ الْأَغْذِيَةِ الَّتِي طَيَّبَهَا فِي تَنْزِيلِهِ، وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَلَا يُحَرِّمُهُ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمَ الْخَبَائِثِ الَّتِي أَبَانَ تَحْرِيمَهَا فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ حَرِجٍ طَاعِمُهُ وَلَا آثِمٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا بِأَكْلِهِ عَلَى أَكْلِ مَا يُكْرَهُ لَهُ أَكْلُهُ، كَمَا الْمُتَقَدِّمُ عَلَى أَكْلِ مَا قَدْ نَمِسَ مِنَ الْقُدُورِ وَأَنْتَنَ مِنْ مَوْتِ الْخَنَافِسِ وَبَنَاتِ الْوَرْدَانِ وَالْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ فِيهِ، مُتَقَدِّمٌ عَلَى مَا يُكْرَهُ لَهُ أَكْلُهُ، وَيُخْتَارُ لَهُ تَرْكُهُ فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ فِيمَا بما جاء عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ أَكَلِ الضَّبِّ» قِيلَ: هَذَا خَبَرٌ لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ فِي الدِّينِ حُجَّةٌ، وَلَوْ كَانَ مِمَّا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ فِي الدِّينِ حُجَّةٌ، لَمْ يَكُنْ لِمَا قُلْنَا خِلَافًا؛ إِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ نَهْيَ تَكَرُّهٍ وَتَقَذُّرٍ، لَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ. وَإِذَا كَانَ مُحْتَمِلًا ذَلِكَ، ثُمَّ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ الثَّابِتَةُ عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - بِبَيَانِ مُرَادِهِ مِنْ ذَلِكَ؛ كَانَ عَلَى مَا انْتَهَى ذَلِكَ إِلَيْهِ الدَّيْنُونَةُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي نَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَهُ - صلى الله عليه وسلم -. وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ الصِّحَاحُ بِنَقْلِ الْعُدُولِ الْأَثْبَاتِ عَنْهُ، بِإِذْنِهِ فِي أَكْلِ ذَلِكَ وَإِبَاحَتِهِ، وَأَنَّ كَرَاهَتَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ طَعَامِ قَوْمِهِ، لَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ حَرَامٌ. وَفِي بَعْضِ ذَلِكَ الْبَيَانُ الْوَاضِحُ عَنْ أَنَّ نَهْيَهُ عَنْ أَكْلِهِ - لَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ - بِمَعْنَى التَّكَرُّهِ وَالتَّقَذُّرِ، لَا بِمَعْنَى التَّحْرِيمِ، وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ سُئِلَ عَنِ الضَّبِّ: «إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونُهُ» ، وَقَوْلِهِ: «فَلَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ» ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْمُسُوخِ مِنَ الْخَبَرِ الَّذِي جاء عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ابْنَتُ أَبِي سُفْيَانَ: اللَّهُمَّ مَتِّعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَقَدْ سَأَلْتِ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ، لَا يُعَجَّلُ مِنْهَا شَيْءٌ