فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 451

قَبْلَ حِلِّهَا، وَلَا يُؤَخَّرُ بَعْدَ حِلِّهَا، وَلَوْ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُجِيرَكِ - أَوْ يُعِيذَكِ - مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابٍ فِي النَّارِ، كَانَ خَيْرًا لَكِ». قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ، مِنَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ الَّذِينَ مُسِخُوا؟ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُهْلِكُ أُمَّةً فَيُبْقِي لَهَا نَسْلًا أَوْ عَاقِبَةً» فَهَذَا الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الْمُسُوخِ بِأَنَّ اللَّهَ لَا يُبْقِي لَهَا نَسْلًا وَلَا عَاقِبَةً، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُبْقِي لِلْمُسُوخِ نَسْلًا وَلَا عَاقِبَةً» ، ثُمَّ يَقُولَ فِي الضِّبَابِ: «أَرْهَبُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُسُوخِ الَّتِي مُسِخَتْ» ؟ فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الضَّبِّ: «إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ» . وَلَا فِي قَوْلِهِ: «فَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْهُمْ» ، خِلَافٌ لِقَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يُهْلِكُ أُمَّةً فَيُبْقِي لَهَا نَسْلًا وَلَا عَاقِبَةً» ؛ إِذْ جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ الْأُمَّةُ الَّتِي مُسِخَتْ يَوْمَئِذٍ هِيَ الضِّبَابَ الْآنَ بِأَعْيَانِهَا، لَا أَنَّهَا نَسْلُهَا، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمُسُوخُ الَّتِي مُسِخَتْ بَعْضَ هَذِهِ الضِّبَابِ، بَقِيَتْ إِلَى الْآنَ لَمْ تُعْقِبْ، وَتَكُونُ الُّتِي تُعْقِبُ مِنْهَا غَيْرَ الْأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ فَحُوِّلَتْ فِي صُوَرِهَا. قِيلَ لَكَ: فَهَذَا خِلَافُ الْقَوْلِ الَّذِي روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «لَمْ يَعِشْ مَسْخٌ قَطُّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَأْكُلْ، وَلَمْ يَشْرَبْ، وَلَمْ يَنْسِلْ» وَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَسَائِرَ الْخَلْقِ فِي السِّتَّةِ الْأَيَّامِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ، فَمَسَخَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ - يَعْنِي الَّذِينَ مَسَخَهُمْ قِرَدَةً فِي صُورَةِ الْقِرَدَةِ - وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِمَنْ شَاءَ كَيْفَ شَاءَ، وَيُحَوِّلُهُ كَيْفَ يَشَاءُ. فَمَا وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا إِذًا، إنْ كَانَ الَّذِينَ مُسِخُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَائِزًا عِنْدَكَ أَنْ يَكُونُوا هُمْ هَذِهِ الضِّبَابَ الْيَوْمَ، أَوْ أَنْ يَكُونُوا كَانُوا مَوْجُودِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وَقَدْ مَرَّ عَلَيْهِمْ مِنَ الزَّمَانِ مَا مَرَّ، وَأَتَى عَلَيْهِمْ مِنَ الدُّهُورِ مَا أَتَى، وَهَذَا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإنْكَارِهِ لِلْمَسْخِ عَيْشًا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ؟ وَإِنْ أَنْتَ قُلْتَ بِتَصْحِيحِ الْقَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قِيلَ لَكَ: فَمَا وَجْهُ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الضِّبَابِ إِذًا، إِذْ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: «إِنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ فَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ» ، وَالْمُسُوخُ قَدْ هَلَكَتْ وَبَادَتْ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وَالَّذِي قُدِّمَ إِلَيْهِ فَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهِ مِنْهَا، وَالَّذِي سُئِلَ عَنْهُ مِنْهَا، لَا هُوَ الْمَسْخُ، وَلَا هُوَ مِنْ نَسْلِهَا، فَمَا وجُوهُ كَرَاهَتِهِ أَكْلَ ذَلِكَ حِذَارًا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ، وَهُوَ - صلى الله عليه وسلم - يُخْبِرُ أَنَّ الْمَسْخَ لَا يُعْقِبُ، وَابْنُ عَبَّاسٍ يَذْكُرُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ؟ قِيلَ لَهُ: أَمَّا الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رُوِيَ بِمَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّ الْمَسْخَ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، فَخَبَرٌ فِي سَنَدِهِ نَظَرٌ؛ لِعِلَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الضَّحَّاكَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ بِشْرَ بْنَ عُمَارَةَ لَيْسَ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى رِوَايَتِهِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ صَحِيحًا؛ لَمْ يَكُنْ فِيهِ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خِلَافٌ، وَكَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - فِي الضَّبِّ الَّذِي قُدِّمَ إِلَيْهِ أَوْ سُئِلَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ مِنَ الْأُمَّةِ الَّتِي مُسِخَتْ بِأَعْيَانِهَا، وَإِنَّمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «لَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ، وَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ» . وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِقَوْلِهِ: «لَعَلَّ هَذَا مِنْهُمْ» : مِنْهُمْ فِي الصُّورَةِ وَالْخِلْقَةِ، وَلَعَلَّ هَذَا مِنْ نَوْعِهِمْ فِي الْمِثَالِ. «وَأَرْهَبُ أَنْ تَكُونَهُ» : بِمَعْنَى أَنْ تَكُونَ نَظِيرَهُ فِي الْمِثَالِ وَالشَّبَهِ، لَا أَنَّهَا هِيَ بِأَعْيَانِهَا. وَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ مَا قُلْنَا، كَانَتْ كَرَاهَتُهُ - صلى الله عليه وسلم - أَكْلَهَا لِمُشَابَهَتِهَا فِي الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت