قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةً، فَخَفَّضْتَ فِيهِ وَرَفَّعْتَ، حَتَّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فَقَالَ: «غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفُنِي عَلَيْكُمْ، إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ، فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ، فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ وَاللهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ" [1] "
ثُمَّ أُعْلِمَ بَعْد ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْرُج إِلَّا فِي آخِر الزَّمَان قَبْلَ نُزُول عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام، فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهه، فَكَذَلِكَ هَذَا عَلِمَ - صلى الله عليه وسلم - بِالْمَسْخِ وَلَمْ يَعْلَم -يوم قال ذلك- أَنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَعِيش وَلَا يُعْقَب لَهُ فَكَانَ فِي الظَّنّ وَالْحِسَاب عَلَى حَسَب الْقَرَائِن الظَّاهِرَة اِنْتَهَى [2] .
2 -قال ابن حجر -رحمه الله-"والأَحادِيث الماضِيَة وإِن دَلَّت عَلَى الحِلّ تَصرِيحًا وتَلوِيحًا نَصّا وتَقرِيرًا، فالجَمع بَينها وبَين هَذا حَمَلَ النَّهي فِيهِ عَلَى أَوَّل الحال عِند تَجوِيز أَن يَكُون مِمّا مُسِخَ وحِينَئِذٍ أَمَرَ بِإِكفاءِ القُدُور، ثُمَّ تَوقَّفَ فَلَم يَأمُر بِهِ ولَم يَنهَ عَنهُ، وحُمِلَ الأُذُن فِيهِ عَلَى ثانِي الحال لِما عُلِمَ أَنَّ المَمسُوخ لا نَسل لَهُ، ثُمَّ بَعد ذَلِكَ كانَ يَستَقذِرهُ فَلا يَأكُلهُ ولا يُحَرِّمهُ، وأَكَلَ عَلَى مائِدَته فَدَلَّ عَلَى الإِباحَة، وتَكُون الكَراهَة لِلتَّنزِيهِ فِي حَقِّ مَن يَتَقَذَّرهُ، وتُحمَل أَحادِيث الإِباحَة عَلَى مَن لا يَتَقَذَّرهُ، ولا يَلزَم مِن ذَلِكَ أَنَّهُ يُكرَه مُطلَقًا. وقَد أَفهَمَ كَلام ابن العَرَبِيّ أَنَّهُ لا يَحِلّ فِي حَقِّ مَن يَتَقَذَّرهُ لِما يَتَوقَّع فِي أَكله مِنَ الضَّرَر وهَذا لا يَختَصّ بِهَذا." [3]
3 -فيه جواز الإهداء، ومشروعية قبول الهدية.
4 -أن الطباع تختلف في النفور عن بعض المأكولات، ولكن على المسلم أن يحذر من عيب الطعام، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «مَا عَابَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ» [4] .
قالَ ابن بَطّالٍ: هذا من حسن الأدب على الله تعالى لأنه إذا عاب المرء ما كرهه من الطعام فقد رد على الله رزقه، وقد يكره بعض الناس من الطعام مالايكرهه غيره، ونعم الله تعالى لا تعاب وإنما يجب الشكر عليها، والحمد لله لأجلها؛ لأنه لا يجب لنا عليه شىء منها، بل هو متفضل في إعطائه عادل في منعه. [5]
وقال النووي:"هَذَا مِنْ آدَابِ الطَّعَامِ الْمُتَأَكَّدَةِ وَعَيْبُ الطَّعَامِ كَقَوْلِهِ مَالِحٌ قَلِيلُ الْمِلْحِ حَامِضٌ رقيق غليظ غير ناضج ونحوذلك وَأَمَّا حَدِيثُ تَرْكِ أَكْلِ الضَّبِّ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ عَيْبِ الطَّعَامِ إِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ بِأَنَّ هذا الطعام الخاص لاأشتهيه" [6]
(1) - صحيح مسلم (4/ 2250) 110 - (2937)
(2) - عون المعبود وحاشية ابن القيم (10/ 191)
(3) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (9/ 666)
(4) - صحيح البخاري (7/ 74) (5409) وصحيح مسلم (3/ 1632) 187 - (2064)
(5) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (9/ 548) وشرح صحيح البخارى لابن بطال (9/ 478)
(6) - شرح النووي على مسلم (14/ 26)