ودل هذا الحديث على أن من الآداب الاجتماعية التي شرعها الإِسلام أن لا يذم الضيف الطعام الذي يقدم إليه، ولا يذكر فيه عيبًا، لأن هذا مما يجرح شعور صاحب الطعام أما إذا كان يريد بذلك النصيحة له فلتكن فيما بينه وبينه، هذا إذا كان هناك عيب حقيقي كالملوحة مثلًا ولا يليق بأهل الفضل والدين أن يتكبروا ويترفعوا عن الأطعمة المتواضعة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ» [1] .. وذلك إرشاد منه - صلى الله عليه وسلم - لأمته أن لا يحتقروا من الطعام شيئًا، لأنه نعمة من نعم الله التي يجب احترامها وتقديرها وشكرها. وقد روى عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بِخُبْزِ شَعِيرٍ، وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ «رَهَنَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ، وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأَهْلِهِ» [2] ، أي شحم قديم متغير الرائحة من السناخة، وهي الزناخة، فانظر إلى تواضعه - صلى الله عليه وسلم - وسماحة نفسه ومراعاته لشعور غيره. [3]
(1) - صحيح البخاري (7/ 25) (5178)
ش (الكراع) كراع الشاة وهو ما دون الكعب ومستدق الساق وهو شيء حقير فأشار صلى الله عليه وسلم بالكراع إلى إجابة الدعوة ولو على شيء قليل وقبول الهدية وأن قلت وقد تقدمت رواية الحديث في الهبة باب القليل من الهبة بلفظ (لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت) فجمع هناك بين العظيم والحقير
(2) - صحيح البخاري (3/ 57) (2069) وتطريز رياض الصالحين (ص: 338) ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3278)
[ش (إهالة) ما أذنب من الدهن أو الشحم. (سنخة) متغيرة الرائحة من طول الزمن. (لأهله) لأزواجه. (يقول) قيل القائل هو أنس رضي الله عنه وقيل هو النبي صلى الله عليه وسلم]
(3) - منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (5/ 146)