قَوله تَعالَى: يا مُوسَى إِنِّي اصطَفَيتُك عَلَى النّاس بِرِسالاتِي وبِكَلامِي"وسَيَأتِي فِي أَحادِيث الأَنبِياء مِن فَضائِل مُوسَى ما فِيهِ كِفايَة."
قالَ: والخَضِر وإِن كانَ نَبِيًّا فَلَيسَ بِرَسُولٍ بِاتِّفاقٍ، والرَّسُول أَفضَل مِن نَبِيّ لَيسَ بِرَسُولٍ، ولَو تَنَزَّلنا عَلَى أَنَّهُ رَسُول فَرِسالَة مُوسَى أَعظَم وأُمَّته أَكثَر فَهُو أَفضَل، وغايَة الخَضِر أَن يَكُون كَواحِدٍ مِن أَنبِياء بَنِي إِسرائِيل ومُوسَى أَفضَلهم. وإِن قُلنا: إِنَّ الخَضِر لَيسَ بِنَبِيٍّ بَل ولِيّ فالنَّبِيّ أَفضَل مِنَ الولِيّ، وهُو أَمر مَقطُوع بِهِ عَقلًا ونَقلًا، والصّائِر إِلَى خِلافه كافِر لأَنَّهُ أَمر مَعلُوم مِنَ الشَّرع بِالضَّرُورَةِ. قالَ: وإِنَّما كانَت قِصَّة الخَضِر مَعَ مُوسَى امتِحانًا لِمُوسَى لِيَعتَبِر.
الثّانِيَة: ذَهَبَ قَوم مِنَ الزَّنادِقَة إِلَى سُلُوك طَرِيقَة تَستَلزِم هَدم أَحكام الشَّرِيعَة فَقالُوا: إِنَّهُ يُستَفاد مِن قِصَّة مُوسَى والخَضِر أَنَّ الأَحكام الشَّرعِيَّة العامَّة تَختَصّ بِالعامَّةِ والأَغبِياء، وأَمّا الأَولِياء والخَواصّ فَلا حاجَة بِهِم إِلَى تِلكَ النُّصُوص، بَل إِنَّما يُراد مِنهُم ما يَقَع فِي قُلُوبهم، ويُحكَم عَلَيهِم بِما يَغلِب عَلَى خَواطِرهم، لِصَفاءِ قُلُوبهم عَن الأَكدار وخُلُوّها عَن الأَغيار. فَتَنجَلِي لَهُم العُلُوم الإِلَهِيَّة والحَقائِق الرَّبّانِيَّة، فَيَقِفُونَ عَلَى أَسرار الكائِنات ويَعلَمُونَ الأَحكام الجُزئِيّات فَيَستَغنُونَ بِها عَن أَحكام الشَّرائِع الكُلِّيّات، كَما اتَّفَقَ لِلخَضِرِ، فَإِنَّهُ استَغنَى بِما يَنجَلِي لَهُ مِن تِلكَ العُلُوم عَمّا كانَ عِند مُوسَى، ويُؤَيِّدهُ الحَدِيث المَشهُور:"استَفتِ قَلبك وإِن أَفتَوك"قالَ القُرطُبِيّ: وهَذا القَول زَندَقَة وكُفر؛ لأَنَّهُ إِنكار لِما عُلِمَ مِنَ الشَّرائِع، فَإِنَّ الله قَد أَجرَى سُنَّته وأَنفَذَ كَلِمَته بِأَنَّ أَحكامه لا تُعلَم إِلاَّ بِواسِطَةِ رُسُله السُّفَراء بَينه وبَين خَلقه المُبَيِّنِينَ لِشَرائِعِهِ وأَحكامه كَما قالَ الله تَعالَى: الله يَصطَفِي مِنَ المَلائِكَة رُسُلًا ومِن النّاس"وقالَ:"الله أَعلَم حَيثُ يَجعَل رِسالاته"وأَمَرَ بِطاعَتِهِم فِي كُلّ ما جاؤُوا بِهِ، وحَثَّ عَلَى طاعَتهم والتَّمَسُّك بِما أَمَرُوا بِهِ فَإِنَّ فِيهِ الهُدَى."
وقَد حَصَلَ العِلم اليَقِين وإِجماع السَّلَف عَلَى ذَلِكَ، فَمَن ادَّعَى أَنَّ هُناكَ طَرِيقًا أُخرَى يَعرِف بِها أَمرَهُ ونَهيه غَير الطُّرُق الَّتِي جاءَت بِها الرُّسُل يَستَغنِي بِها عَن الرَّسُول فَهُو كافِر يُقتَل ولا يُستَتاب. قالَ: وهِيَ دَعوى تَستَلزِم إِثبات نُبُوَّة بَعد نَبِيّنا؛ لأَنَّ مَن قالَ إِنَّهُ يَأخُذ عَن قَلبه لأَنَّ الَّذِي يَقَع فِيهِ هُو حُكم الله وأَنَّهُ يَعمَل بِمُقتَضاهُ مِن غَير حاجَة مِنهُ إِلَى كِتاب ولا سُنَّة فَقَد أَثبَتَ لِنَفسِهِ خاصَّة النُّبُوَّة كَما قالَ نَبِيّنا - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ رُوح القُدُس نَفَثَ فِي رُوعِي". قالَ: وقَد بَلَغَنا عَن بَعضهم أَنَّهُ قالَ: أَنا لا آخُذ عَن المَوتَى، وإِنَّما آخُذ عَن الحَيّ الَّذِي لا يَمُوت. وكَذا قالَ آخَر: أَنا آخُذ عَن قَلبِي عَن رَبِّي. وكُلّ ذَلِكَ كُفر بِاتِّفاقِ أَهل الشَّرائِع، ونَسأَل الله الهِدايَة والتَّوفِيق. [1]
واختلف أهل العلم في علم الخضر الذي انفرد به عن موسى هل هو علم وحي ونبوة، أم علم فراسة وإلهام وهل هو نبي أم ولي؟ والصحيح أنه نبي، قال في فيض الباري:"الخضر نبي عند الجمهور ليس"
(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (1/ 221)