داخلًا في شريعة موسى. وقال الآلوسي: فيه أقوال ثلاثة فالجمهور على أنه عليه السلام نبى وليس برسول، وقيل: هو رسول، وقيل هو ولي، وعليه القشيرى وجماعة، والصحيح ما عليه الجمهور، وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين. اهـ. [1]
واستدل القائلون بنبوته بقوله كما حكى الله عنه: (وما فعلتة عن أمري) أي وإنما فعلت ما فعلت بأمر الله تعالى، لأن تنقيص أموال الناس، وإراقة دمائهم لا يكون إلا بنص وأمر إلهي صادر عن وحي سماوي، وذلك للأنبياء خاصة، ولهذا قال العيني: إن قوله: (وما فعلته عن أمري) يدل على أنه فعله بالوحي، فلا يجوز لأحد أن يقتل نفسًا لما يتوقع وقوعه منها، لأن الحدود لا تجب إلاّ بعد الوقوع، وكذا الإِخبار عن أخذ الملك السفينة، وعن استخراج الغلامين الكنز، لأنّ هذا كله لا يدرك إلاّ بالوحي. اهـ. قال الآلوسي"وهو أي الاستدلال بهذه الآية الكريمة على نبوة الخضر ظاهر في ذلك، واحتمال أن يكون هناك نبي أمر بذلك عن وحي كما زعمه القائلون بولايته احتمال بعيد. ومما اختلف فيه أهل العلم أيضًا مسألة هل الخضر حي الآن أم هو قد مات؟ والصحيح أنه قد مات، فقد سئل البخاري عنه وعن الياس عليهما السلام هل هما حيان، فقال: كيف يكون هذا وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أي قبل وفاته بقليل:"لا يبقى على رأس المائة ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد". اهـ والذي في صحيح مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، تَبْلُغُ مِائَةَ سَنَةٍ» فَقَالَ سَالِمٌ: تَذَاكَرْنَا ذَلِكَ عِنْدَهُ، إِنَّمَا هِيَ كُلُّ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ يَوْمَئِذٍ" [2] .
وهذا أبعد عن التأويل، وسئل شيخ الإِسلام ابن تيميّة عن الخضر فقال: لو كان الخضر حيًا لوجب عليه أن يأتي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ويجاهد بين يديه ويتعلم منه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر:" «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ» [3] "وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم فأين الخضر حينئذ اهـ [4]
ويستفاد منه: فوائد كثيرة:
منها. فضيلة العلم، والرحلة في طلبه، فإن موسى - صلى الله عليه وسلم - رحل مسافات طويلة ولقي النصب في طلبه. ومنها: التأدب مع المعلم، والتلطف في مخاطبته لقول موسى (هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدًا) حيث أخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة فاستأذن منه في مصاحبته وأقر أنه يتعلم منه علمًا هو في حاجة إليه يستفيد منه ويسترشد به. ومنها: تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، وذلك
(1) - تفسير الألوسي = روح المعاني (8/ 302)
(2) - صحيح مسلم (4/ 1967) 220 - (2538)
(3) - صحيح مسلم (3/ 1383) 58 - (1763)
(4) - منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (1/ 219) ومجموع الفتاوى (4/ 337)