الثاني عشر: قال ابن القيم: فيه دليل على أن خير أيام العبد على الإِطلاق، وأفضلها يوم توبته إلى الله، وقبول الله توبته، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -"أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمّك". الثالث عشر: في قوله - صلى الله عليه وسلم:"أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك"دليل على أن من نذر الصدقة بكل ماله لم يلزمه إخراج جميعه، بل يجوز له أن يبقى منه بقية، ولم يعين له - صلى الله عليه وسلم - قدرًا، ووكله إلى اجتهاده في قدر الكفاية، قال ابن القيم: وهذا هو الصحيح، فإن ما نقص عن كفايته وكفاية أهله لا يجوز له التصدق به، فنذره لا يكون طاعة فلا يجب الوفاء به، وفي الحديث فوائد كثيرة، فقد قال العيني:"فيه أكثر من خمسين فائدة"وما لا يدرك كله لا يترك جله. [1]
وقال ابن القيم رحمه الله:
"وَمِنْهَا: مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ قِصَّةُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا مِنَ الْحِكَمِ وَالْفَوَائِدِ الْجَمَّةِ، فَنُشِيرُ إِلَى بَعْضِهَا:"
فَمِنْهَا: جَوَازُ إِخْبَارِ الرَّجُلِ عَنْ تَفْرِيطِهِ وَتَقْصِيرِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، وَفِي ذَلِكَ مِنَ التَّحْذِيرِ وَالنَّصِيحَةِ وَبَيَانِ طُرُقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا، مَا هُوَ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ
وَمِنْهَا: جَوَازُ مَدْحِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ الْفَخْرِ وَالتَّرَفُّعِ.
وَمِنْهَا: تَسْلِيَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ عَمَّا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ بِمَا قُدِّرَ لَهُ مِنْ نَظِيرِهِ أَوْ خَيْرٍ مِنْهُ
وَمِنْهَا: أَنَّ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ كَانَتْ مِنْ أَفْضَلِ مَشَاهِدِ الصَّحَابَةِ، حَتَّى إِنَّ كعبا كَانَ لَا يَرَاهَا دُونَ مَشْهَدِ بَدْرٍ
وَمِنْهَا: أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يَسْتُرَ عَنْ رَعِيَّتِهِ بَعْضَ مَا يَهُمُّ بِهِ وَيَقْصِدُهُ مِنَ الْعَدُوِّ وَيُوَرِّي بِهِ عَنْهُ اسْتُحِبَّ لَهُ ذَلِكَ أَوْ يَتَعَيَّنُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ
وَمِنْهَا: أَنَّ السَّتْرَ وَالْكِتْمَانَ إِذَا تَضَمَّنَ مَفْسَدَةً لَمْ يَجُزْ
وَمِنْهَا: أَنَّ الْجَيْشَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَكُنْ لَهُمْ دِيوَانٌ وَأَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ الدِّيوَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهَذَا مِنْ سُنَّتِهِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِاتِّبَاعِهَا، وَظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهَا وَحَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهَا
وَمِنْهَا: أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا حَضَرَتْ لَهُ فُرْصَةُ الْقُرْبَةِ وَالطَّاعَةِ فَالْحَزْمُ كُلُّ الْحَزْمِ فِي انْتِهَازِهَا وَالْمُبَادَرَةِ إِلَيْهَا، وَالْعَجْزُ فِي تَأْخِيرِهَا وَالتَّسْوِيفِ بِهَا، وَلَا سِيَّمَا إِذَا لَمْ يَثِقْ بِقُدْرَتِهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْ أَسْبَابِ تَحْصِيلِهَا، فَإِنَّ الْعَزَائِمَ وَالْهِمَمَ سَرِيعَةُ الِانْتِقَاضِ قَلَّمَا ثَبَتَتْ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يُعَاقِبُ مَنْ فَتَحَ لَهُ بَابًا مِنَ الْخَيْرِ فَلَمْ يَنْتَهِزْهُ، بِأَنْ يَحُولَ بَيْنَ قَلْبِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ بَعْدُ مِنْ إِرَادَتِهِ عُقُوبَةً لَهُ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ إِذَا دَعَاهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ وَإِرَادَتِهِ، فَلَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِجَابَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [الأنفال: 24] [الْأَنْفَالِ: 24] وَقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهَذَا فِي قَوْلِهِ: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ
(1) - منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (5/ 20)