فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 451

شِئْتَ»): قَالَ الْأَشْرَفُ: فِي تَقْدِيمِ قَوْلِهِ: إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ عَلَى قِسْمَيْهِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَتَوْسِيطِهِ بَيْنَهُمَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ مَا يُرْشِدُ إِلَى حَذَاقَتِهِ وَحَدْسِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا رَأَى غَضَبَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ قَدَّمَ فِيهِ الْقَتْلَ تَسْلِيَةً، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ رَجَا أَنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ فَقَدَّمَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ قَوْلَهُ: إِنْ تُنْعِمْ: قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ لَمَّا نَفَى الظُّلْمَ عَنْ سَاحَتِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَظَرَ إِلَى اسْتِحْقَاقِهِ الْقَتْلَ قَدَّمَهُ، وَحِينَ نَظَرَ إِلَى لُطْفِهِ وَإِحْسَانِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخَّرَ الْقَتْلَ، وَهَذَا أَدْعَى لِلِاسْتِعْطَافِ وَالْعَفْوِ كَمَا قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] أَقُولُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُنَاسِبُ لِلْمُجْرِمِ أَنْ يَعْتَرِفَ بِذَنْبِهِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرَ أَوَّلًا، فَلِذَا قَدَّمَ الْقَتْلَ، ثُمَّ يَطْلُبُ الْعَفْوَ وَلَا يَنْسَى الذَّنْبَ، وَلِذَا أَخَّرَهُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَحَاصِلُ كَلَامِ الطِّيبِيِّ أَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ كَانَ الْخَوْفُ غَالِبًا عَلَيْهِ، وَفِي الْيَوْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ كَانَ الْغَالِبَ عَلَيْهِ الرَّجَاءُ، وَالْإِنَاءُ يَتَرَشَّحُ بِمَا فِيهِ، وَهَذَا يُظْهِرُ وَجْهَ التَّنْظِيرِ بِقَوْلِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ غَلَبَةِ الْخَوْفِ أَوَّلًا. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا} [النحل: 111] حَتَّى تَقُولَ الْأَنْبِيَاءُ: نَفْسِي نَفْسِي، ثُمَّ لَهُمْ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: أَطْلِقُوا) : أَيْ حُلُّوا (ثُمَامَةَ) : وَخَلُّوا سَبِيلَهُ (فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ) : بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وَسُكُونِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجِيمِ ; أَيْ مَاءٍ قَلِيلِ النَّبْعِ (قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ) . قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ: نَخْلٍ هَكَذَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَتَقْدِيرُهُ انْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ فِيهِ مَاءٌ فَاغْتَسَلَ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: صَوَابُهُ نَجْلٍ بِالْجِيمِ وَهُوَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ الْمُنْبَعِثُ، وَقِيلَ الْجَارِي. قُلْتُ: بَلِ الصَّوَابُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ صَحَّتْ بِهِ وَلَمْ تُرْوَ إِلَّا هَكَذَا. وَهُوَ صَحِيحٌ فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ، (ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ! مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ) : بِالنَّصْبِ ; أَيْ أَكْثَرَ مَبْغُوضًا (مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ) .

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَجْهٌ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةُ وَجْهٍ وَهُوَ اسْمُ كَانَ، عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ خَبَرُهُ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: أَحَبَّ الْوُجُوهِ خَبَرُ أَصْبَحَ قَطْعًا، وَقَدْ قُوبِلَ بِهِ، وَلِأَنَّ أَبْغَضَ فِي الْقَرِينَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَقَعَ خَبَرًا لِكَانَ، وَلِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنِ الْوَجْهِ بِالْأَبْغَضِيَّةِ لَا أَنَّ وَجْهَهُ أَبْغَضُ كَائِنًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، فَإِذَا قُلْنَا: بِجَوَازِ وُقُوعِ الْحَالِ مِنِ اسْمِ كَانَ، فَقَوْلُهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ كَانَ صِفَةً لِقَوْلِهِ وَجْهٌ، فَقُدِّمَ فَصَارَ حَالًا، وَإِذَا مَنَعْنَاهُ قُلْنَا إِنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ قُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ لِيُؤْذِنَ فِي بَدْءِ الْحَالِ بِاهْتِمَامٍ فَصَارَ الْعُمُومُ وَالشُّمُولُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ} [الزمر: 67] ( «وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَوَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ» ) . يَعْنِي الْمَدِينَةَ (فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدَ الْعُمْرَةَ) ، جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ (فَمَاذَا تَرَى) ؟ أَيْ مِنَ الرَّأْيِ فِي حَقِّي (فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -) ; أَيْ بِمَا حَصَلَ لَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت