فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 451

جف دمعي لهول ما سمعت، وعند ذلك التفت إلى أبويّ استنجد بهم في الدفاع عني"قلت لأبي أجب عني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: والله ما أدرى ما أقول"لأن الصدمة النفسية كانت قاسية عنيفة غلبت عليه وعلى تفكيره، وأعجزت لسانه عن الإجابة، فهو في موقف يحار فيه أعظم الرجال ماذا يقول، وبماذا يجيب، إذا نظر هنا وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومقامه فوق كل مقام، وإذا نظر هناك وجد عائشة ابنته الكريمة الشريفة الطاهرة المطهرة تتعرض لهذه التهمة الشنيعة، أمران يحق ما رام مجلسه"أي ما فارق النبي - صلى الله عليه وسلم - مجلسه"حتى أُنزِلَ عيه الوحي فأخذه ما كان يأخذه"أي فأصابه ما كان يصيبه أثناء نزول الوحي"من البرحاء"أي من ارتفاع الحرارة وشدة العرق"حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان"أي حتى صار العرق يتساقط منه كما تتساقط اللآلىء المتناثرة"في يوم شات"أي حال كونه - صلى الله عليه وسلم - قد حدث له ذلك في يوم شتوي شديد البرودة"فلما سرّي عن رسول الله"بضم السين وكسر الراء المشددة أي فلما انكشف عنه الوحي"وهو يضحك"أي حال كونه ضاحكًا متهلل الأسارير، مشرق الوجه من شدة السرور والفرح ببراءة زوجته الحبيبة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها"فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"أي قومي إليه واشكريه على بشراه لك بهذه البراءة"،"فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلاّ الله"لأنه هو الذي برأني مما نسب إليَّ بقرآن يتلى إلى يوم القيامة، أما أنتم فقد شككتم في أمري"فأنزل الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) الآيات"إلى آخر قوله تعالى: (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) فأثبت الله تعالى بالوحي الصريح براءة عائشة حيث قال: (أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ) وسمى الله تلك التهمة الشنيعة"إفكًا"فقال: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) إعلانًا عن كذبهم وافترائهم فيها، ثم هددهم بالعقوبة عليها في الدنيا والآخرة، حيث قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) "قال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه"وذلك أن أم مسطح سلمى كانت بنت خالة أبي بكر الصديق، فغضب وقال:"والله لا أنفق على مسطح شيئًا"بعد ما فعل الذي فعل"فأنزل الله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) "أي لا يحلف أصحاب المال والغنى"أن يؤتوا أولي القربى"أي لا يحلفوا على أن لا يعطوا أقاربهم من أموالهم، لأنهم أساؤوا إليهم، قال تعالى:" (أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) "يعني ألا تحبون أن يغفر الله لكم ذنوبكم مقابل عفوكم عنهم"فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه"أي فأعاد إلى مسطح ما كان يعطيه، وكفّر عن يمينه."فقال: يا زينب ما علمت وما رأيت"أي ما الذي تعلمينه عن عائشة وما هي مرئياتك عنها فيما يتعلق"فقلت ائذن لي إلى أبوي"فاستأذنته وهي في أسوأ الأحوال بدنيًا ونفسيًا، وهكذا يجب أن تكون المرأة الصالحة لأن سيرة هؤلاء الأبرار إنما ندرسها لنتأسى بها في حياتنا ونطبقها عملًا في سلوكنا، لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت