في قول أصحاب الإِفك"أي يتحدثون في هذه الإِشاعة الكاذبة قالت:"ويرييني في وجعي أني لا أرى من النبي - صلى الله عليه وسلم - اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض"أي ومما بعث في نفسي الريبة والشك والإحساس الداخلي بأن هناك أمرًا قد حدث، هو هذا التغير في معاملة النبي - صلى الله عليه وسلم - لي حيث لم أعد أجد منه تلك المعاملة أي بما تكلموا به في عرضي. قالت عائشة:"فازددت مرضًا على مرضي"عندما علمت بما قذف الناس في عرضي،"فلما رجعت إلى بيتي دخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلم، فقال: كيف تيكم"أي كيف حال تلك يشير إلى عائشة، فسأل عنها بلهجة جافة فاترة، تختلف عن لهجته التي كان يتحدث بها سابقًا مع زوجته الحبيبة"فقلت ائذن لي إلى أبوي، قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر"أي وإنما ذهبت إلى بيت أبي لأتعرّف من أبوي على حقيقة ما دار حولي من حديث الإِفك"فقلت لأمي: ما يتحدث الناس به؟ فقالت: يا بنية هوّني على نفسك الشأن"أي فأرادت أمها"أم رُومَان"تسليتها والتخفيف عنها، فقالت لها: لا تهتمي بالإِشاعة كل هذا الاهتمام، ولا تحزني كل هذا الحزن، وخففي عن نفسك من همومها وأحزانها، فلست أوّل امرأة حسناء قيل عنها ما قيل، بل قلما كانت امرأة جميلة محبوبة عند زوجها لها ضرائر يغرن منها إلاّ تحدثن عنها بما تكره، وهو معنى قولها"لقلما كانت امرأة قط وضيئة"أي جميلة لا عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلاّ أكثرن عليها"أي إلاّ أكثرن عليها الأحاديث بما يسيء إليها"فقلت: سبحان الله"تعجبًا مما سمعت"قالت: فبت تلك الليلة لا يرقأ لي دمع"أي فبت تلك الليلة كلها أبكي لا يكف لي دمع وقضيتها كلها ساهرة، لا أذوق طعم النوم أي ما رأيت منها شيئًا يعيبها"أكثر من أنها جارية حديثة السن"أي فتاة صغيرة السن تغفل عن بعض الأمور"تنام عن العجين، تأتي الداجن فتأكله"أي فتأتي الشاة فتأكله"فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي"أي من ينصرني عليه"وقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلاّ خيرًا"أي وقد اتهموا أهلي برجل صالح، حسن السيرة والسمعة بين الناس"فقام سعد فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه"أي آخذ لك الحق منه"إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك"أي فنفذنا فيه أمرك، وعاقبناه بالعقوبة التي تريدها،"فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا"غير متهم في عقيدته"ولكن احتملته الحمية"أي غلبت عليه الأنفة والعصبية لقبيلته فعارض سعد بن معاذ"فقال: كذبت لَعَمْرُ الله والله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك"لأنه رأى أنه ليس من حق سعد بن معاذ أن يتدخل في أمر يتعلق أي لقد أشاع عنك بعض الناس أنك فعلت كذا وكذا مع صفوان بن المعطل"وإن كنت ألممت"أي وإن كنت فعلت ذنبًا، واقترفت خطيئة حقًا"فاستغفري الله وتوبي"أي فاعترفي بالذنب واستغفري الله وتوبي إليه"فإن العبد إذا اعترف بذنبه فتاب تاب الله عليه"لأنّ التوبة توجب المغفرة، ويتوب الله على من تاب."فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقالته قلص دمعي"أي فلما انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديثه هذا