فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 451

صَاحِبَهُ غَالِبًا عَنْ كَمَالٍ نُورَانِيٍّ، وَلِذَا يَدْخُلُ سُلَيْمَانُ الْجَنَّةَ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ بِخَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، وَكَذَا يَدْخُلُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِسَبَبِ مَالِهِ الْكَثِيرِ الْمُشَبَّهِ بِالْمُلْكِ الْكَبِيرِ بَعْدَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ بِخَمْسِمِائَةِ عَامٍ. (قَالَ: يَا رَبِّ! مَنْ هَذَا؟) : قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَكَرَ أَوَّلًا مَا هَؤُلَاءِ ; لِأَنَّهُ مَا عَرَفَ مَا رَآهُ، ثُمَّ لَمَّا قِيلَ لَهُ هُمْ ذُرِّيَّتُكَ فَعَرَفَهُمْ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ ( «قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ وَقَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمْرَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً» ) . وَفِي نُسْخَةٍ: عُمْرَهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى ضَمِيرِهِ. قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: عُمْرَ أَرْبَعِينَ مَفْعُولُ كَتَبْتُ، وَمُؤَدَّى الْمَكْتُوبِ ; لِأَنَّ الْمَكْتُوبَ عُمْرُهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَنُصِبَ أَرْبَعِينَ عَلَى الْمَصْدَرِ عَلَى تَأْوِيلِ كَتَبْتُ لَهُ أَنْ يُعَمِّرَ أَرْبَعِينَ سَنَةً. (قَالَ: يَا رَبِّ زِدْ فِي عُمْرِهِ) . أَيْ: مِنْ عِنْدِكَ وَفَضْلِكَ (قَالَ: ذَلِكَ الَّذِي كَتَبْتُ لَهُ) . أَيْ: قَدَّرْتُ وَقَضَيْتُ لِأَجَلِهِ، وَلَا مَرَدَّ لِقَضَائِي، وَلَا تَبْدِيلَ لِقَدَرِي. قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَلِكَ الَّذِي مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ مُعَرَّفَتَانِ فَيُفِيدُ الْحَصْرَ أَيْ: لَا مَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا نُقْصَانَ، وَكَانَ كَذَلِكَ حَيْثُ وَهَبَ، ثُمَّ رَجَعَ. قُلْتُ: لَكِنْ رُوِيَ أَنَّهُ أَعْطَى مَا وَهَبَ لَهُ وَكَمَّلَ لِآدَمَ عُمْرَهُ مِنْ فَضْلِهِ، وَهَذَا أَظْهَرُ، وَفِيهِ اسْتِجَابَةٌ لِدَعْوَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَيْضًا، وَقَدْ يَكُونُ الْعُمْرُ الْمُعَلَّقُ يَزِيدُ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [فاطر: 11] ، وَكَذَا مَا فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مِنْ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَزِيدُ فِي الْعُمْرِ.

(قَالَ) : يَعْنِي آدَمُ (أَيْ رَبِّ) أَيْ: يَا رَبِّ (فَإِنِّي) أَيْ: إِذَا أَبَيْتَ الزِّيَادَةَ مِنْ عِنْدِكَ، فَإِنِّي (قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي) أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ مُدَّةِ عُمْرِي وَسِنِّهِ (سِتِّينَ سَنَةً) . أَيْ: تَكْمِلَةً لِلْمِائَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْخَبَرِ الدُّعَاءُ وَالِاسْتِدْعَاءُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يَجْعَلَهُ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى هَذَا الْجَعْلِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ؛ إِذْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْ بَابِ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ مَا يُخَالِفُ هَذَا، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَنَّهُ جَعَلَ لَهُ مِنْ عُمْرِهِ أَوَّلًا أَرْبَعِينَ، ثُمَّ زَادَ عِشْرِينَ فَصَارَ سِتِّينَ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَتَكَرَّرَ مَأْتَى عِزْرَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلِامْتِحَانِ بِأَنْ جَاءَ وَبَقِيَ مِنْ عُمْرِهِ سِتُّونَ، فَلَمَّا جَحَدَهُ رَجَعَ إِلَيْهِ بَعْدَ بَقَاءِ أَرْبَعِينَ عَلَى رَجَاءِ أَنَّهُ تَذَكَّرَ بَعْدَ مَا تَفَكَّرَ فَجَحَدَ ثَانِيًا، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي بَابِ النِّسْيَانِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ وَقَعَ شَكٌّ لِلرَّاوِي، وَتَرَدُّدٌ فِي كَوْنِ الْعَدَدِ أَرْبَعِينَ أَوْ سِتِّينَ، فَعَبَّرَ عَنْهُ تَارَةً بِالْأَرْبَعِينَ وَأُخْرَى بِالسِّتِّينَ، وَمِثْلُ هَذَا وَقَعَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَأَجَابَ عَنْهُ بِمَا ذَكَرْنَا بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ، وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِالْوَهْمِ وَالْغَلَطِ فِي رِوَايَةِ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ، وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ سَاعَاتِ أَيَّامِ عُمْرِ آدَمَ كَانَتْ أَطْوَلَ مِنْ زَمَانِ دَاوُدَ، فَمَوْقُوفٌ عَلَى صِحَّةِ النَّقْلِ، وَإِلَّا فَبِظَاهِرِهِ يَأْبَاهُ الْعَقْلُ كَمَا حُقِّقَ فِي دَوَرَانِ الْفَلَكِ عِنْدَ أَهْلِ الْفَضْلِ.

(قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ) . يَحْتَمِلُ الْبَرَاءَةَ، وَيَحْتَمِلُ الْإِجَابَةَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: هُوَ نَحْوُ قَوْلِهِمْ كُلُّ رَجُلٍ وَضَيْعَتِهِ أَيْ: أَنْتَ مَعَ مَطْلُوبِكَ مَقْرُونَانِ (وَكَانَ) أَيْ: (آدَمُ) : كَمَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (يَعُدُّ لِنَفْسِهِ) ، أَيْ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت