فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 451

59 -فضل من يفوض الأمر لربه، وأن من قوي على ذلك خف عنه الهم والغم كما وقع في حالتي عائشة قبل استفسارها عن حالها وبعد جوابها بقولها والله المستعان.

60 -الحث على الإنفاق في سبيل الخير خصوصًا في صلة الرحم، ووقوع المغفرة لمن أحسن إلى من أساء إليه، أو صفح عنه.

61 -أن من حلف أن لا يفعل شيئًا من الخير استحب له الخنث، فيأتي الذي هو خير ويكفر عن يمينه.

62 -جواز الاستشهاد بآي القرآن في النوازل، والتأسي بما وقع للأكابر من الأنبياء وغيرهم.

63 -مشروعية التسبيح عند التعجب واستعظام الأمر.

64 -ذم الغيبة وذم سماعها وزجر من يتعاطاها لا سيما إن تضمنت تهمة المؤمن بما لم يقع منه.

65 -ذم إشاعة الفاحشة، وقد قال الله تعالى متوعدًا على ذلك: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [سورة النور/19] .

66 -تحريم الشك في براءة عائشة وشناعة ذلك، قال العلماء: من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله ومن كذب الله فهو كافر، وبه قال الإمام مالك وغيره [1] .

67 -قالَ الزَّمَخشَرِيُّ: لَم يَقَع فِي القُرآن مِنَ التَّغلِيظ فِي مَعصِية ما وقَعَ فِي قِصَّة الإِفك بِأَوجَزِ عِبارَة وأَشبَعها، لاشتِمالِهِ عَلَى الوعِيد الشَّدِيد والعِتاب البَلِيغ والزَّجر العَنِيف، واستِعظام القَول فِي ذَلِكَ واستِشناعه بِطُرُقٍ مُختَلِفَة وأَسالِيب مُتقَنَة، كُلّ واحِد مِنها كافٍ فِي بابه، بَل ما وقَعَ مِنها مِن وعِيد عَبَدَة الأَوثان إِلاَّ بِما هُو دُونَ ذَلِكَ، وما ذَلِكَ إِلاَّ لإِظهارِ عُلُوّ مَنزِلَة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وتَطهِير مَن هُو مِنهُ بِسَبِيلٍ. [2] .

68 -وفيه تأخير الحد عمن يخشى من إيقاعه به الفتنة نبه على ذلك بن بطال مستندًا إلى أن عبد الله بن أبي كان ممن قذف عائشة ولم يقع في الحديث أنه ممن حد وتعقبه، القاضي عياض بأنه لم يثبت أنه قذف بل الذي ثبت أنه كان يستخرجه ويستوشيه.

69 -أن الغضب قد يخرج الحليم المتقي إلى ما لا يليق به من القول، فالواجب الحذر منه، والتباعد عن أسبابه. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» [3] .

(1) - انظر: تفسير القرطبي (12/ 184) . والصارم المسلول (1/ 570) .

(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (8/ 477)

(3) - سنن أبي داود (4/ 249) (4784) وشعب الإيمان (10/ 531) (7939) حسن لغيره

(قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ» ) أَيْ: مِنْ أَثَرِ وَسْوَسَتِهِ (وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ) :قَالَ تَعَالَى: {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} [الحجر: 27] ،وَقَالَ: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ} [الأعراف: 12] ،وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْجِنِّ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ خُلِقُوا مِنَ النُّورِ، وَمَعْنَى خَلْقِهِ مِنْهَا أَنَّ عُنْصُرَهُ النَّارِيَّ غَالِبٌ عَلَى سَائِرِ أَجْزَائِهِ، بِخِلَافِ الْإِنْسَانِ (وَإِنَّمَا يُطْفَأُ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مَهْمُوزٌ أَيْ: يَدْفَعُ (النَّارُ) ، أَيْ: الْحِسِّيَّةَ (بِالْمَاءِ) أَيِ: الْحَقِيقِيِّ (فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ) أَيْ: وَاشْتَعَلَتْ نَارُ غَضَبِهِ مِنْ جَوْفِهِ، وَيُرِيدُ إِحْرَاقَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ بِنَوْعٍ مِنْ عَذَابِهِ. (فَلْيَتَوَضَّأْ) : فَإِنَّ الْوُضُوءَ مُرَكَّبٌ مَعْجُونٌ مِنَ الْمَاءِ الْحِسِّيِّ وَالْمُطَهِّرِ الْمَعْنَوِيِّ الْمُؤَثِّرِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، وَهَذَا مِنْ طِبِّ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِي غَفَلُوا عَنْهُ الْحُكَمَاءُ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ عَنْ حَقِيقَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ مِنْ غَيْرِ بَاعِثٍ مِنَ الْأُمُورِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ فَقَالَ: أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ; فَإِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَصَوَّرَ حَالَةَ الْغَضَبِ وَمَنْشَأَهُ، ثُمَّ الْإِرْشَادَ إِلَى تَسْكِينِهِ، فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ هَذَا الْمَخْرَجَ لِيَكُونَ أَجْمَعَ وَأَنْفَعَ، وَلِلْمَوَانِعِ أَزْجَرَ، وَهَذَا التَّصْوِيرُ لَا يُمْنَعُ مِنْ إِجْرَائِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ اهـ.

وَالصَّوَابُ أَنَّ الِاسْتِعَاذَةَ عِلَاجٌ آخَرُ مُسْتَقِلٌّ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْأَثَرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجُرْزِيُّ فِي الْحِصْنِ، حَيْثُ قَالَ: وَمَنْ غَضِبَ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُّ، وَنَسَبَهُ إِلَى الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنِّسَائِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [الأعراف: 200] وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ:" «إِذَا غَضِبَ الرَّجُلُ فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ سَكَنَ غَضَبُهُ» "وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ هَذَا عِلَاجٌ قَوْلِيٌّ سَهْلُ التَّنَازُلِ وَالْحُصُولِ، وَالْوُضُوءَ مُعَالَجَةٌ فِعْلِيَّةٌ صَعْبُ الْوُصُولِ، لَاسِيَّمَا وَالْوُضُوءُ مُقَدِّمَةٌ لِلصَّلَاةِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَعْجُونِ الْمُسَهِّلِ الْمُخْرِجِ لِلْمَوَادِّ الْفَاسِدَةِ مِنْ أَصْلِهَا، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الِاسْتِعَاذَةِ فَهَمٌّ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِفْرَاغِ لِتَخْلِيَةِ الْمَعِدَةِ مِنْ آثَارِ التُّخَمَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنِ الْحَكِيمَ الْكَامِلَ يُدْرِجُ فِي الْمُعَالَجَةِ، وَيَعْلَمُ مِزَاجَ كُلِّ صَاحِبِ عِلَّةٍ بِمَا يُوَافِقُهُ، وَيُنَاسِبُهُ مِنْ خَوَاصِّ الْأَشْيَاءِ الْمُفْرَدَةِ وَالْمُرَكَّبَةِ وَأَنْوَاعِ الْغَضَبِ كَالْأَمْرَاضِ الْمُخْتَلِفَةِ فَعَلَى الْعَلِيلِ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمًا وَيَجْعَلَ حِسَّهُ بَيْنَ يَدَيِ الطَّيِّبِ الْحَبِيبِ الْكَامِلِ كَالْمَيْتِ بَيْنَ يَدَيِ الْغَاسِلِ، وَخُلَاصَةُ الْكَلَامِ أَنَّهُ إِذَا أَحَسَّ بِالْغَضَبِ، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ أَوَّلًا، ثُمَّ إِذَا رَأَى أَنَّهُ مَا يَزُولُ لَهُ يَقُومُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ دَوَاءُ صَبْرٍ كَرِيهٌ عَلَى الطَّبْعِ الشَّيْطَانِيِّ وَالْمِزَاجِ النَّفْسَانِيِّ، بَلْ هُوَ كَعُرُوقِ السُّوسِ يُخْرِجُ كُلَّ مَرَضٍ مَدْسُوسٍ. قَالَ تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3193)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت